وعلى سبيل المثال لا الحصر : يعمد كبار الْمُموِّلين إلى طرح مجموعة من الأوراق من أسهم أو سندات قروض ، فيهبط سعرها لكثرة العرض ، فيُسارع صغار حملة هذه الأوراق إلى بيعها بسعر أقل، خشية هبوط سعرها أكثر من ذلك وزيادة خسارتهم ، فيهبط سعرها مجدداً بزيادة عرضهم ، فيعود الكبار إلى شراء هذه الأوراق بسعر أقل بغية رفع سعرها بكثرة الطلب ، وينتهي الأمر بتحقيق مكاسب للكبار، وإلحاق خسائر فادحة بالكثرة الغالبة وهم صغار حملة الأوراق المالية، نتيجة خداعهم بطرح غير حقيقي لأوراق مماثلة ، ويجري مثل ذلك أيضاً في سوق البضائع ، ولذلك قد أثارت سوق البورصة جدلاً كبيراً بين الاقتصاديين، والسبب في ذلك : أنها سبَّبت في فترات معيَّنة من تاريخ العالم الاقتصادي ضياع ثروات ضخمة في وقت قصير، بينما سبَّبت غنى الآخرين دون جُهد ، حتى إنهم في الأزمات الكبيرة التي اجتاحت العالم طالبَ الكثيرون بإلغائها، إذ تذهب بسببها ثروات ، وتنهار أوضاع اقتصادية في هاوية، وبوقت سريع ، كما يحصل في الزلازل والانخسافات الأرضية ، ولذلك كله : فإنَّ مجلس المجمع الفقهي الإسلامي، بعد اطلاعه على حقيقة سوق الأوراق المالية والبضائع ( البورصة ) وما يجري فيها من عقود عاجلة وآجلة على الأسهم وسندات القروض والبضائع والعملات الورقية ومناقشتها في ضوء أحكام الشريعة الإسلامية يُقرِّر ما يلي :
أولاً : أنَّ غاية السوق المالية (البورصة) هي إيجاد سوق مستمرة ودائمة يتلاقى فيها العرض والطلب والمتعاملون بيعاً وشراء ، وهذا أمر جيد ومفيد ، ويمنع استغلال المحترفين للغافلين والمسترسلين الذين يحتاجون إلى بيع أو شراء، ولا يعرفون حقيقة الأسعار ولا يعرفون المحتاج إلى البيع ومن هو محتاج إلى الشراء، ولكنَّ هذه المصلحة الواضحة يواكبها في الأسواق المذكورة (البورصة) أنواع من الصفقات المحظورة شرعاً، والمقامرة حكم شرعي عام بشأنها ، بل يجبُ بيان حكم المعاملات التي تجري فيها ، كل واحدة منها على حده .
ثانياً : أنَّ العقود العاجلة على السلع الحاضرة الموجودة في ملك البائع التي يجري فيها القبض فيما يُشترط له القبض في مجلس العقد شرعاً هي عقود جائزة ، ما لم تكن عقوداً على محرَّم شرعاً ، أما إذا لم يكن المبيع في ملك البائع فيحب أن تتوافر فيه شروط بيع السَّلَم ، ثمَّ لا يجوز للمشتري بعد ذلك بيعه قبل قبضه .
ثالثاً : أنَّ العقود العاجلة على أسهم الشركات والمؤسسات حين تكون تلك الأسهم في ملك البائع جائزة شرعاً، ما لم تكن تلك الشركات أو المؤسسات موضوع تعاملها محرَّم شرعاً كشركات البنوك الربوية، وشركات الخمور ، فحينئذ يحرم التعاقد في أسهما بيعاً وشراءً .
رابعاً : أنَّ العقود العاجلة والآجلة على سندات القروض بفائدة ، بمختلف أنواعها غير جائزة شرعاً ، لأنها معاملات تجري بالرِّبا المحرَّم .
خامساً : أنَّ العقود الآجلة بأنواعها ، التي تجري على المكشوف ، أي : على الأسهم والسلع التي ليست في ملك البائع ، بالكيفية التي تجري في السوق المالية (البورصة) غير جائزة شرعاً ، لأنها تشتمل على بيع الشخص ما لا يملك ، اعتماداً على أنه سيشتريه فيما بعد ويُسلِّمه في الموعد ، وهذا منهيٌّ عنه شرعاً ، لِما صحَّ عن رسول الله صلى الله عليه وسلَّم أنه قال : (( لا تبع ما ليس عندك)) [60].
وكذلك ما رواه الإمام أحمد وأبو داود بإسناد صحيح عن زيد بن ثابت رضي الله عنه : (( أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلَّم نهى أن تُباع السلع حيث تبتاع حتى يحوزها التجار إلى رحالهم )) [61].
سادساً : ليست العقود الآجلة في السوق المالية ( البورصة ) من قبيل بيع السَّلَم الجائز في الشريعة الإسلامية ، وذلك للفرق بينهما من وجهين :