أما بعد : فإنه سَبَقَ أن صَدَرَ من هيئة كبار العلماء قرارٌ بتحريم التأمين التجاري بجميع أنواعه , لِمَا فيه من الضَّرَرِ والمُخاطرات العظيمة, وأكل أموال الناس بالباطل, وهي أمورٌ يُحرِّمها الشرعُ المطهَّر, وينهى عنها أشدَّ النهي , كما صَدَرَ قرارٌ من هيئة كبار العلماء بجواز التأمين التعاوني وهو الذي يتكون من تبرعات المحسنين , ويُقصد به مساعدة المحتاج والمنكوب, ولا يعودُ منه شيءٌ للمشتركين, لا رؤوس أموال ولا أرباح ولا أي عائد استثماري, لأنَّ قصد المشترك ثواب الله سبحانه وتعالى بمساعدة المحتاج , ولم يقصد عائداً دنيوياً , وذلك داخلٌ في قوله تعالى : ((وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ )) وفي قول النبيِّ صلى الله عليه وسلَّم : (( واللهُ في عَوْنِ العَبْدِ مَا كَانَ العَبْدُ في عَوْنِ أَخِيهِ ))[46], وهذا واضحٌ لا إشكال فيه .
ولكنْ ظهرَ في الآونة الأخيرة من بعض المؤسسات والشركات تلبيسٌ على الناس , وقلبٌ للحقائق, حيث سَمَّوا التأمينَ التجاري المحرَّم تأميناً تعاونياً , ونسبوا القول بإباحته إلى هيئة كبار العلماء من أجل التغرير بالناس والدِّعاية لشركاتهم[47], وهيئة كبار العلماء بريئةٌ من هذا العمل كلَّ البراءة, لأنَّ قرارها واضحٌ في التفريق بين التأمين التجاري والتأمين التعاوني, وتغيير الاسم لا يُغيِّر الحقيقة, ولأجل البيان للناس, وكشف التلبيس, ودحض الكذب والافتراء, صَدَرَ هذا البيان , وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين .
المفتي العام للمملكة العربية السعودية
ورئيس هيئة كبار العلماء , ورئيس اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عبد العزيز بن عبد الله بن باز
***
التأمين الصحِّي : الفتوى رقم 19399 ج15/292-294 .
السؤال : بعض المؤسسات والشركات الأهلية تكفل العلاج الطبي لموظفيها وأُسرهم , ومن أجل ذلك تتفق مع بعض المستشفيات الأهلية لتأمين هذا العلاج , وتكون صورة الاتفاق كالتالي :
1- تدفع المؤسسة للمستشفى مبلغاً شهرياً عن كلِّ شخص قدره 100 مائة ريال فقط , بغضِّ النظر عن عدد الزيارات التي يتردَّدُ بها المريض على المستشفى لتلقِّي العلاج .
2- يتولَّى المستشفى علاج الأشخاص وصرف الأدوية اللازمة لهم , وإجراء بعض العمليات الجراحية إنْ لزمَ الأمر .
ومن المعلوم أنه في بعض الأشهر يُنفقُ المستشفى على علاج الشخص أكثر من 100 مائة ريال , وخاصة إذا أُجريت له عملية جراحية أو نحوها , وأحياناً أُخرى قد لا يأتي الشخص إلى المستشفى , لأنه ليس مُحتاجاً لذلك , ومن ثمَّ فإنه لم يستهلك شيئاً من المائة ريال , أو استهلك جزءاً يسيراً منها , والسؤال هو :
أولاً : هل هذا التأمين الطبي جائز شرعاً , أو أنه من الشروط المبنية على الجَهالَة والغرر ؟ .
ثانياً : هل هذا يدخل في باب الجعالة الجائزة شرعاً , كما قال بذلك بعض الباحثين في مجلة البحوث الفقهية المعاصرة , العدد 31 ؟ .
ثالثاً : ما صورة التأمين الطبي التعاوني الجائزة شرعاً ؟ .
الجواب : ما ذُكر في السؤال هو من التأمين التجاري المحرَّم , لِما فيه من الغَرَر والجَهالة , وأكل أموال الناس بالباطل , والتأمين التعاوني الجائز هو : أن يُوضع صندوقٌ تُجمعُ فيه تبرُّعات المحسنين لمساعدة المحتاجين للعلاج أو غيره , ولا يعودُ منه كسبٌ ماليٌّ للمُتبرِّع , وإنما يُقصد به مساعدة المحتاجين , طلباً للأجر والثواب من الله تعالى .
وبالله التوفيق , وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلَّم .
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عضو عضو عضو عضو الرئيس
بكر أبو زيد صالح الفوزان عبدالله بن غديان عبدالعزيز آل الشيخ عبدالعزيز بن عبدالله بن باز