والبعضُ يعتمدُ على فتاوى من يُسمَّون بموظَّفي اللجان الشرعية عند البنوك في العالم الإسلامي , ومِمَّن نَصَبَ نفسه مفتياً لها ولأسهمها ومعاملاتها , مع مُعارضة الكثير منها لفتاوى العلماء الْمُعتبرين .
فيقع بذلك الفساد لثلاثة أوجه :
الأول : أصحاب البنوك , يقولون : لولا أنَّا على صواب لأنكر علينا موظَّفو هذه اللجان الشرعية , وكيف لا نكون مصيبين وهم يأكلون من أموالنا , ويعملون لدينا ؟! .
الثاني : العوام وضعاف النفوس , فإنهم يقولون : لا بأس بالمساهمة والتعامل مع هذه البنوك , فإنَّ موظَّفي هذه اللجان الشرعية لا يبرحون عندهم .
والثالث : موظفو اللجان الشرعية حيث حملوا أوزارهم وأوزاراً مع أوزارهم .
قال شيخنا صالح بن فوزان الفوزان وفقه الله تعالى : (والله أنا لا أعرف هذه الهيئات الشرعية , وأخشى أنها مسألة حيلة فقط , أو أنهم يختصون ناساً يوافقونهم على رغبتهم , يُحضِّرون ناساً باسم طلبة علم على رغبتهم , يُوافقونهم ويُعطونهم شهادة شرعية , أنا أخشى من هذا , إذا كانوا صادقين أنهم يتحرَّون الشرع , لماذا لا يسألون اللجنة الدائمة , أو هيئة كبار العلماء , إذا كانوا سيحترزون من الحرام , أم إنهم يُكوِّنون لجنة من عندهم , لجنة هم الذين يشكلونها على رغبتهم , فأنا ما أثق من هذا العمل , ولا أرى الاعتماد عليه) [14].
ويبدوا أنَّ انصراف المسلمين إلى استفتاء أهل التخفيف والترخيص , وانصرافهم عن أهل العلم المُعتبرين , ممَّن منعتهم هيبة الدِّين عن التساهل بالفتاوى الشرعية , كان أمراً مستشرياً في أمتنا الإسلامية منذ أَمَدٍ بعيد [15].
وفي حديث وابصة بن معبد رضي الله عنه : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((جئتَ تسألني عن البرِّ والإثم, فقال : نعم , فجَمَعَ أناملَهُ فجعل ينكتُ بهنَّ في صدري ويقول : يا وابصة , استفتِ قلبكَ , واستفتِ نفسكَ - ثلاث مرات - الْبِرُّ ما اطمأنت إليه النفسُ , والإثمُ ما حاكَ في النفس , وتردَّد في الصدر , وإنْ أفتاكَ الناسُ وأفتوك)) [16] .
وعن أبي برزة الأسلمي رضي الله عنه عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم قال : ((لا تَزُولُ قَدَما عبدٍ يومَ القيامة حتَّى يُسأَلَ عَنْ عُمْرِهِ فيمَا أَفنَاهُ , وعن عِلْمِهِ فيما فَعَلَ , وعَنْ مَالِهِ مِنْ أَينَ اكتَسَبَهُ وفيما أنفقَهُ , وعَنْ جِسْمِهِ فيمَا أَبلاهُ)) [17] .
قال شيخ الإسلام محمد بن عبدالوهاب رحمه الله تعالى :
( بابُ من أطاعَ العلماءَ والأمراءَ في تحريم ما أحلَّ الله , أو تحليل ما حرَّم الله فقد اتخذهم أرباباً من دون الله : وقال ابن عباس رضي الله عنهما: يُوشكُ أن تَنزلَ عليكم حجارةٌ من السماء ، أقولُ : قالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ، وتقولونَ : قالَ أبو بكرٍ وعمر ؟! [18] .
وقال الإمام أحمد بن حنبل : عجبتُ لقومٍ عرَفوا الإسنادَ وصحَّته ، يذهبون إلى رأي سفيان ، والله تعالى يقول : (( َفلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ)) (النور:63) .
أتدري ما الفتنة ؟ الفتنةُ : الشرك ، لعلَّه إذا ردَّ بعض قوله , أن يقع في قلبه شيءٌ من الزيغ فيهلِك [19] .
وعن عديِّ بن حاتم رضي الله عنه : أنه سمعَ النبيَّ صلى الله عليه وسلم يقرأُ هذه الآية : ((اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِّن دُونِ اللّهِ)) (التوبة:31) .
فقلتُ له : إنا لسنا نعبدهم , قال : (( أليس يُحرِّمون ما أحلَّ الله فتحرِّمونه , ويُحلُّون ما حرَّم الله فتحلُّونه , فقلتُ : بلى , قال : فتلك عبادتهم )) رواه أحمد والترمذي وحسَّنه [20]) [21].
إذاً : فيُخشى على من اتَّبعَ عالِماً مجتهداً على خطئه في تحليل الْمُساهمة في ذلك البنك أو تلك الشركة , وهو يعلمُ أنَّ هذا العالِمُ مُخطئ : أن يكون له نصيبٌ من الشرك :