ورضي الله عن صحابته والتابعين , ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدِّين .
أما بعد : فإنَّ من علامات الساعة التي أخبر عنها النبيُّ صلى الله عليه وسلم : ظهور الرِّبا , وانتشاره بين الناس , وعدم المبالاة بطرق جمع المال , بل وعدم المبالاة بأكل الحرام , وعدم تحرِّي الحلال في المكاسب , فعن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم أنه قال : ((بينَ يَدَيِّ الساعةِ يَظهرُ الرِّبا , والزِّنا , والخم))[4].
وعن أبي هريرة رضي الله عنه أنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال : ((لَيأتِيَنَّ على الناسِ زمانٌ لا يُبالي المرءُ بما أَخذَ المال , أَمِنْ حلالٍ أَمْ مِنْ حَرَامٍ)) [5] .
وعن النعمان بن بشير رضي الله عنه قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم : ((الحلالُ بيِّنٌ , والحَرَامُ بَيِّنٌ , وبينَهُما أمورٌ مُشتَبِهَةٌ [6], فَمَنْ ترَكَ ما شُبِّهَ عليه من الإثم كانَ لِمَا استبانَ أترَكَ , ومَنِ اجتَرَأ على ما يَشُكُّ فيه من الإثم أَوشكَ أن يُواقع ما استَبانَ , والمعاصي حِمَى الله , من يَرتعْ حول الحِمَى يُوشك أن يُواقِعَهُ))[7] .
وقال الحسن بن علي رضي الله تعالى عنهما : حفظتُ من رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((دَعْ ما يَريبُكَ إلى ما لا يَريبُكَ , فإنَّ الصدقَ طُمأنينةٌ, وإنَّ الكذبَ ريبةٌ)) .[8].
وفي الصحيح [9]في ذكر رؤيا النبي صلى الله عليه وسلم , وفيه : ((فانطلقنا فأتينا على نَهَرٍ - حسبتُ أنه كان يقولُ - أحمرَ مثلِ الدَّمِ , وإذا في النهَرِ رجلٌ سابحٌ يَسبحُ , وإذا على شطِّ النَّهَرِ رجلٌ قد جَمَعَ عنده حجارةً كثيرة , وإذا ذلك السابحُ سَبَحَ ما سَبَحَ , ثمَّ يأتي ذلك الذي قد جمعَ عنده الحجارةَ فيَفغَرُ له فاهُ فيُلْقِمُهُ حَجَراً فينطلقُ يسبحُ, ثمَّ يرجعُ إليه , كلَّما رجعَ إليه فَغَرَ له فاهُ فألْقَمَهُ حَجَراً , قال : قلتُ لهما : ما هذان ؟ قالَ : قالا لي : انطَلِقِ انطَلِقْ)) .
وفي آخره : ((وأما الرَّجلُ الذي أَتيتَ عليه يَسبحُ في النَّهَرِ ويُلْقمُ الحِجارةَ فإنه آكلُ الرِّبا)) [10].
وعن كعب بن عجرة رضي الله عنه قال : قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((أُعيذُكَ بالله يا كعبُ بنَ عُجْرَةَ من أُمراءَ يكونون من بعدي , فَمَن غَشِيَ أبوابَهم فصدَّقهم في كَذِبهم , وأعانهم على ظلمهم , فليس مِنِّي ولستُ منه , ولا يَرِدُ عليَّ الحوضَ , ومن غَشِيَ أبوابهم أو لم يَغشَ فلم يُصدِّقهم في كذبهم , ولم يُعنهم على ظلمهم , فهو مِنِّي وأنا منه , وسَيَرِدُ عليَّ الحوضَ , يا كعبُ بنَ عُجرةَ : الصلاةُ برهانٌ , والصومُ جُنَّةٌ حصينةٌ , والصدقةُ تُطفئُ الخطيئةَ كما يُطفئُ الماءُ النارَ , يا كعبُ بنَ عجرة : إنه لا يَربُو لَحمٌ نبَتَ من سُحْتٍ إلاَّ كانت النارُ أولى به)) [11].
وإنَّ الناظر بعين البصيرة إلى واقع المسلمين في العالَم اليوم :
يجد لَهَفهم الشديد إلى كلِّ ما تطرحه البنوك أو الشركات من أسهم ومعاملات , فالكثير يُساهم ويتعامل بدون استفتاء من أهل العلم المُعتبرين [12].
والقليل يستفتي ولكن ممَّن التبس عليه الحلال من الحرام من طلبة العلم , بل يقصد بعضُهم فلان المتتبِّع للرخص ؟ أي : المتتبِّع لأهون أقوال العلماء في مسائل الخلاف ... وما عَلِم المسكينُ أنَّ هذا دين , فلينظر المسلمُ ممن يأخذ دينه , ومَن يجعله بينه وبين ربِّه تبارك وتعالى .
قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى : ( وذَكَرَ أبو عمر عن مالك : أخبرني رجلٌ أنه دَخَلَ على ربيعة فوجده يبكي , فقال : ما يُبكيك ؟ أمصيبةٌ دخلت عليك ؟ وارتاعَ لبكائه , فقال : لا , ولكن استُفتيَ مَنْ لا عِلْمَ له , وظهرَ في الإسلام أمرٌ عظيم , قال ربيعة : ولَبعض من يُفتى ههنا أحقُّ بالحبس من السُّرَّاق ) [13].