أولاد النصارى، ويأتون غير ذلك، فلو كانت ثمت حكومة عاقلة قوية ترعى
عهودها التي واثقت عليها عند تسليم غرناطة، لم يكن محل لذلك البغض العميق،
ولكن حكام الأسبانيول لم يكونوا أهل عقل ولا عدل، وكانوا يزدادون بتمادي الأيام
شرا، ولم تلبث الأوامر أن صدرت بإكراه المغاربة على ترك ألبستهم المخصوصة
بهم، وعلى لبس البرنيطة والسراويلات الأسبانيولية، وبحظر الغسل ودخول
الحمام عليهم اقتداء بغالبيتهم في احتمال الأقذار، ثم منعوهم من التكلم بالعربية،
وصدر الأمر بأن لا يتكلموا بغير الأسبانيولي، بأن يغيروا أسماءهم ويسيروا سيرة
أسبانيولية، ويسموا أنفسهم أسبانيولا، وكان تصديق الإمبراطور شرلكان هذا الأمر
الفظيع في سنة 1526 على أنه لم يكن الظاهر من اعتماده إجراءه بالفعل، لكن
عماله اتخذوه ذريعة لاستنزاف أموال الموسرين من المغاربة، صار ديوان التفتيش
يحترف ويتجر بهذه المسألة، ولما صار الأمر إلى فيليب الثاني شدد في إنفاذ
الأوامر بحق الموريسك، وسنة 1567 عزز الأمر الصادر بشأن تغيير الزي
واللغة باستيثاق غريب؛ لأجل منع النظافة التي هي من سنن الإسلام، وذلك بأنه
أخذ يهدم حمامات الحمراء البديعة، فالطرائق التي أخذوا بها لتنكير أحوال تلك
الأمة هي أشد من أن يحتملها أي قبيل كان، دع سلائل المنصور وعبد الرحمن
وأبناء سراج، ولذلك لم يطل الزمن حتى استطار الشر واشتعلت الفتنة، وثار فرج
ابن فرج من نسل بني سراج بجماعة من ذوي الحمية من غرناطة، قاصدا الجبال
قبل أن تمكنت الحامية من تعقبهم، ونودي بهرناندو دوفلور من نسل خلفاء قرطبة
ملكا على الأندلس تحت اسم محمد بن أمية، وعمت الثورة في أسبوع واحد كل
أنحاء جبال البشرات ووقع ذلك سنة 1568.
ولما كانت هذه الجبال من أصعب تضاريس الأرض مرتقى وأوعرها مسلكا،
كان تدويخ سكانها من أصعب الأمور منالا، والفتنة فيه بعيدة المرمى، فاستمرت
هذه المرة حولين كاملين، حافلا تاريخها بحوادث لا تحصى من القتل والغدر
والتعذيب والاستباحة والاحتيال من الجانبين، لكنه أيضا حافل بوقائع يندر في
تاريخ الفروسية، وكتب الحماسة الظفر بأمثالها، وتبقى على صفحات السير فخرا
للقرون والأمم، كان المغاربة هناك في موطنهم الأخير، والموقف الذي يحاولون
فيه إدراك الثأر على نحو مئة سنة قضوها في البلاء العظيم، والهون الذي ليس له
نظير، فهبوا جميعا منادين بأخذ الثأر واقتضاء الأوتار قرية بعد قرية، وهدموا
الكنائس، وأهانوا ما فيها، وفتكوا بالقسيسين، وعذبوا النصارى الذين وقعوا في
أيديهم، واعتصم الذين نجوا بالمعاقل والأبراج، ودافعوا دفاعا شديدا، وكان مركيز
مونتيجارة قائدا في غرناطة، فعمد إلى المسالمة، وأخذ بالملاينة، وكادت الوقدة
تنطفئ لولا ما أعاد الشرر من ذبح مائة وعشرة سجناء في حبس البيازين من
المغاربة، قيل: إن ذبحهم وقع بغير علم المركيز، لكن الموريسك لم يقبلوا العذر،
ونشروا لواء الثورة، وصار ابن أمية أميرا بالفعل على جميع جهات البشرات،
إلا أنه لم يكن ممن يحسن السياسة، فقام بعض أعوانه وقتلوه، وبويع لرجل آخر
موصوف بالنجدة والحماسة اسمه عبد الله بن أبوه.
فأرسلت دولة إسبانية لتدويخ الثوار الدون جون الأوسترى أخا الملك، وهو
شاب في الثانية والعشرين من العمر، فباشر القتال في شتاء سنة 1569 إلى
1570، وأتى من الفظائع، ما بخلت بأنداده كتب الوقائع، فذبح النساء والأطفال
أمام عينيه، وأحرق المساكن ودمر البلاد، وكانت علامته (لا هوادة) وانتهى
الأمر بإذعان الموريسك، لكنه لم يطل واستأنف مولاي عبد الله بن أبوه الكرة،
فاحتال الأسبانيول حتى قتلوه غيلة، وبقي رأسه منصوبا فوق أحد أبواب غرناطة
ثلاثين سنة، وأفحش الأسبانيول في قمع الثورة بما أقدموا عليه من الذبح والحريق
والخنق بالدخان حتى أهلكوا من بقية العرب هناك خلقا كثيرا، وخنع الذين نجوا