من الموت لكنهم وقعوا في الرق، وسيقوا مماليك وعبدانا، ونفي جملة منهم، فأخذ
عددهم يتناقص، ولما كان اليوم المشهود والمذكور في التواريخ وهو عيد جميع
القديسين سنة 1570، بلغ عدد من ذهب منهم عشرين ألفا، والذين أخذوا منهم في
معمعة الفتنة صاروا إلى الاستعباد، والباقون أخرجوا من البلاد مخفورين، فمات
كثير منهم على الطرق تعبا، فمنهم من أجاز إلى بر العدوة وطافوا هناك سائلين
لأجل قوتهم الضروري، ومنهم من لجأ إلى بلاد فرنسا حيث استقبلوهم برا وترحيبا،
واحتاج إليهم هنري الرابع لأجل دسائسه في مملكة إسبانية، ولم ينته إخراجهم
تماما إلى سنة 1610، إذ وقع الجلاء الأخير ولم يبق في تلك البلاد مسلم بعد أن
وليها الإسلام ثمانية قرون، ويقال: إن عدد من خرج منهم منذ اليوم الذي سقطت
فيه مملكة غرناطة إلى السنة العاشرة بعد الألف والستمائة يبلغ ثلاثة ملايين، وأن
الذين خرجوا لآخر مرة نحو نصف مليون.
وأما الأسبانيول المساكين فلم يعرفوا ماذا يصنعون، ولا أنهم يخربون بيوتهم
بأيديهم، بل كانوا فرحين مسرورين بطرد المغاربة، مع أن أسبانية كانت مركز
المدنية ومبعث أشعة العلم قرونا، وقلما استفادت بقعة أوروبية من حضارة الإسلام
بمقدار ما استفادته هذه البلاد، فلما غادرها الإسلام انكسفت شمسها وتسلط نحسها،
وإن فضل مسلمي الأندلس؛ ليظهر في همجية هؤلاء القوم وتأخرهم في الحضارة،
وسقوط هذه الأمة في سلم الاجتماع بعد أن خلت ديارها من الإسلام انتهى كلامه
ملخصا.
واستشهد في حاشية هذه الجملة بنقل يمثل لك درجة هذه الحقيقة، وهو أن
الملك حول مدينة غرناطة ضياعا واسعة ومزارع التزموا بيعها سنة 1591؛ بسبب
كونهم يخسرون عليها أكثر من غلتها، مع أن هذه البقاع كانت لعهد العرب حدائق
غناء، وغياضا ذات أفياء، وموارد ثروة ورخاء.
وقال واشنطون أرفن في تاريخه لفتح غرناطة ما معناه ملخصا: إنه بعد
دخول هذه البلدة في حوزة الأسبانيول بقيت الحال غير مستتبة تماما مدة سنوات إلى
أن وقع من اجتهاد رؤساء مذهب الكاثوليك في حمل المسلمين هناك على النصرانية،
ما أيأس مغاربة الجبال المتشددين في دينهم، فثأروا برؤساء الدين، وقبضوا على
اثنين من هؤلاء الدعاة في مدينة دارين وعرضوا عليهما الإسلام فامتنعا فقتلوهما،
وقيل: إن النساء والأولاد قتلوهما قصعا بالعصي وشدخا بالحجارة، وإنهم أحرقوا
جثتيهما، فانتقم النصارى من هذه الفعلة بأن اجتمع منهم نحو ثمانمائة فارس،
وساروا إلى قرى المغاربة يخربون ويعيثون، فاعتصم المغاربة بالجبال، وانتشرت
الفتنة في الجبال كلها، لكن وسطها كان في جبل برميجه المصاقب للبحر، فلما
اتصل الخبر بالملك فرديناند أصدر أوامره بنقل المغاربة الساكنين في جهات الثورة
إلى قشتالة، وأعطى الأمر سرا بأن من يدخل منهم في النصرانية يبقى في وطنه،
ثم رمى تلك الأمة بالصائد المشهور ألونزو دواغيلار، ومعه جيش وهو الذي قضى
معظم شبابه في قتال المغاربة، فما اقترب من بلادهم حتى هرع جملة وافرة منهم
إلى رندة للدخول في النصرانية، وجمر الباقون منهم تحت قيادة فارس اسمه
الفهري سائقين نساءهم وأطفالهم إلى حيث يتعذر السلوك من تلك الأوعار،
مرابطين شعاب الجبال دون مرور عساكر الأسبانيول فالتقى الجمعان أمام بلدة
مونارده، وانتشب القتال فيقال: إن الدون ألونزو مع ابنه الدون بطرو وثلاثمائة
من شجعانه صدقوا الحملة على المغاربة، فأزاحوهم وتلاحقوا في الهزيمة، فتتبعهم
الجند يغنمون وينهبون، ولما امتلأت أيديهم بالغنائم كر عليهم الفهري بجماعة من
أبطاله، وعلت الصرخة فارتجت لها جوانب الأودية، وذعر الأسبانيول، فتداعوا
للفرار، وثبت ألونزو في مكانه يحرضهم، ويضم من شتيت شملهم، فصبر معه
جماعة، وولى الأكثرون، ودخل الظلام، وخيم الغسق، واشتد الخناق بالأسبانيول،