إلى الإسلام تمادى على ما أراد؛ ولا يعاقب من قتل نصرانيا أيام الحرب، ولا
يؤخذ ما سلب من النصارى أيام العداوة، ولا يكلف المسلم بضيافة أجناد النصارى
ولا يسفر لجهة من الجهات , ولا يزيدون على المغارم المعتادة، وترفع عنهم
جميع المظالم المحدثة، ولا يطلع نصراني للسور، ولا يتطلع على دور المسلمين،
ولا يدخل مسجدا من مساجدهم، ويسير المسلم في بلاد النصارى آمنا في نفسه
وماله، ولا يجعل علامة كما يجعل اليهود [1] ، وأهل الدجن , ولا يمنع مؤذن ولا
مصل ولا صائم ولا غيره من أمور دينه، ومن ضحك منهم يعاقب، ويتركون من
المغارم سنين معلومة، وأن يوافق على كل الشروط صاحب رومة ويضع خط يده،
وأمثال هذا مما تركنا ذكره، انتهى المراد منه.
نقض الأسبانيول عهد مسلمي الأندلس وتنكيلهم بهم
وإكراههم على التنصر
قال صاحب المختصر المذكور:
ولنذكر حالة بقية مسلمي الأندلس بعد ذهاب ملكهم فيها فنقول: ورد في تاريخ
(الإسلام في إسبانية) تأليف ستانلي لانبول ما محصله (إن آخر أنفاس أبي عبد
الله على تلك الربوة لم يكن بآخر حر أنفاس المسلمين في تلك الديار، بل بداية
أنفاس يرسلونها الصعداء، وافتتاح عهد انتقام وابتلاء، وإن أسقف غرناطة الأول
هرناندو دوتالافيره كان رجلا حليما عادلا، أحسن معاملة المغاربة، وأبى الجور
عليهم، وتعلم العربية، وكان يصلي بها، وعلى يده ارتد ألوف من المغاربة إلى
النصرانية، قيل: إن ثلاثة آلاف تنصروا في يوم واحد، إلا أن الكردينال
كسيميناس الذي كان من القسم المحارب بين رؤساء الكنيسة اعتسف السبيل، ومال
إلى العنف والإكراه، وأساء معاملة المسلمين، وحمل الملكة إيزابلا على ما بقي
نقطة دهماء في تاريخ حياتها من اضطهادهم واستعبادهم وإكراههم على التنصر،
فأثار ذلك ساكنهم، وأخرج كامنهم، وفي إحدى المرات حبست امرأة من البيازين
لشأن من هذا القبيل، فثار سكان البيازين، وتحصنوا وحملوا السلاح، وكادوا
يفتكون بالجند وأوشك الدم أن يسيل بحدة الكردينال كسيميناس.
إلا أن المطران هرناندو الموصوف بالوداعة، دخل ربض البيازين بالسكينة
والأنس مع نفر قليل من حاشيته بدون سلاح، وسأل القوم عن شكواهم، وتقبلها
منهم بالاستماع والاحتفال، وهدأ روعهم وأعاد طائر الأمن إلى وكره، وحجب
الدماء يومئذ، على أن كسمينيس المشهور لم يزل يغوي الملكة، حتى أصدرت
أمرها إكراه المسلمين على إحدى الخطتين الجلاء أو النصرانية، وذلك بأنهم كانوا
يذكرون المسلمين بأنهم سلالة النصارى في الأصل، فأقفلت المساجد وأحرقت
الكتب، التي هي ثمرات القرون وزبد الحقب، وأذيق المسلمون العذاب أشكالا
وألوانا، ففضل عامتهم فراق دينهم على فراق أوطانهم، إلا أن شعلة من الحمية
الإسلامية بقيت تلمع في جبال البشرات، حيث حمتهم أوعارها من مضطهديهم.
وأول جيش أرسل إليهم تحت قيادة الدون ألونزو دواغيلار البطل الشهير
انهزم هزيمة شنعاء وذلك في سنة 1501، وقتل الدون المذكور، وقيل: إنه الدون
الخامس المقتول من عشيرتهم في حرب المسلمين، فازداد انتقام الأسبانيول من
المغاربة بعد هذه الغلبة، وهجم كونت طنديلة على قوجار، وهدم كونت سرين
جامعا على جماعة التجأوا إليه من المسلمين بنسائهم وأطفالهم، وأمسك الملك
فرديناند بنفسه الطريق على الفارين من الجبال، فمن بقي حيا من الثوار فر إلى
مراكش ومصر والبلاد العثمانية وانتهت الثورة الأولى في الجبال.
ومضى على ذلك نصف قرن والبغض دفين في القلوب، والمسلمون
المتنصرون يعمدون أولادهم ظاهرا، فإذا انصرف القسيس مسحوا عن الولد ماء
المعمودية، وإذا تزوج أحد الموريسك (لقب المتنصرة من المغاربة) أجرى
القسيس عقد الإكليل، ثم بعد ذهابه عقدوا النكاح بحسب السنة الإسلامية.
وكانوا يتلقون قرصان البحر من أهل المغرب، ويعاونونهم على اختطاف