تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الحالية التي يدرس فيها الطلبة) .

لقد قلنا فيما سبق عند الكلام على الكشف الطبي ووجوب تعديله بالنسبة

للأزهريين: (إن أماكن الدراسة الحالية في الأزهر والمعاهد الدينية التي لا تصلح

ولم توجد - إلا لتكون أماكن للعبادة فقط - تنال من الطالب في مدة الدراسة الطويلة

القاسية، وفي زمني الحر والقر ما يكفي لأن يهدم منه الجسم السليم ويضعف

الصحة الجيدة) والآن نقول: إن هذه الأماكن التي يدرس بها الأزهريون لا

تستوفي شرطا واحدا مما توجبه التربية الحديثة، فالطلبة يضطرون للجلوس

متربعين طول يومهم، لا يحول بينهم وبين الأرض سوى حاجز بال من الحصير،

لا يدفع رطوبة ولا يمنع أذى، ولا ريب أن تلك الجلسة الدائمة على الشكل الذي

ذكرنا مما يعرض صحة الطلبة للضعف، ويجعلهم عرضة لشتى الأمراض، فضلا

عن تشتيت أذهانهم، وفقد انتباههم أثناء إلقاء الدرس، مع أن الانتباه واجتماع

الذهن ضروريان؛ ليستفيد الطالب مما يلقى عليه استفادة صحيحة قيمة.

هذا مع أن في تجاور الدروس بدون حاجز يفصلها عن بعضها ما يدعو لاختلاط

أصوات المدرسين والتهويش على بعضهم، وما يتبع ذلك من الجلبة والضوضاء

وسماع الطلبة الذين يجلسون في آخر الحلقات أصوات مدرسي الفصول الأخرى؛

التي قد تكون أصواتهم أقرب إليهم من أصوات مدرسيهم، وإن أقل نظرة لحالة

الدروس بالأزهر وقت انتظامها تكفي للاقتناع، وليس هذا من المصلحة في شيء،

على أنه ليس هناك ما يصح أن يسمى موازنة بين أماكن الدراسة بالمعاهد الدينية

والمدارس الأخرى، من حيث استيفاء الشروط التي تستوجبها التربية، فإن شرطا

واحدا من الشروط التي توجبها لا يوجد بأماكن الدراسة بالأزهر، في الوقت الذي لا

تنقص فيه المدارس الأخرى شرطا واحدا، ونحن على يقين بأن ذلك لا يرضي ولاة

الأمور؛ لأنهم مقتنعون بأنه من الضروري لمصلحة الطلبة ولتمام الاستفادة المدرسية

صلاحية الأمكنة للدراسة، واستيفاءها للشروط اللازمة، وذلك ما يجب أن ينظر إليه

بعين الاعتبار في المعاهد الدينية.

(المطلب التاسع) : (جعل الوظائف الكتابية بالمحاكم الشرعية حقا مشتركا

بين جميع المذاهب) .

لا ريب أن هذا الطلب مع عدالته لا يكلف الحكومة شيئا من المال، وهو

ليس إلا تنازلا من علماء الحنفية عن بعض حق هو لهم، رضوا بأن يشركهم

إخوانهم من المذاهب الأخرى في الانتفاع به؛ لأن لأولئك الإخوان من الكفاءة لهذا

العمل ما لهم (الأحناف) .

على أنا إذا اعتبرناه حقا للأحناف، فليس إلا مجاراة لما هو واقع دون شيء

آخر؛ لأن القانون جعله حقا مطلقا لحامل العالمية دون أن يفرق بين مذهب ومذهب

أليس من المصلحة مراعاة هذا الإطلاق، لا سيما أن فيه تحقيقا للعدالة؟ ؟

وما دامت الكفاية والأهلية موجودتين فلا سبيل لإهمالهما.

لو أن الكتابة بالمحاكم الشرعية تشمل إصدار أحكام فقهية على مذهب الحنفية

لما كان للأحناف أن يرضوا بمشاركة غيرهم لهم في هذه الوظيفة، ولما كان

لغيرهم أن يطلبها، وإذا كانت وزارة الحقانية قد اتخذت - ولا تزال - مفتشين

للمحاكم الشرعية من غير الحنفية، فأولى لها أن تقبلهم في وظائف الكتابة التي لا

يسوغ حرمانهم منها.

(المطلب العاشر) : (إلغاء القوانين الاستثنائية والإجراءات التي ترتبت

عليها، وإباحة الانتساب والتحويل إلى الجهة التي يريدها الطالب) .

لقد كان مما لا يتوقع أن تصدر قوانين جائرة تقيد بها حرية رجال الدين

الأزهريين في التعبير عن ميولهم وآرائهم، سواء كانت هذه الآراء في إصلاح

الأزهر أو في حالة البلد العامة؛ لأن الآراء يجب أن تكون على الدوام محترمة،

وأن يفسح المجال لظهورها لا أن تتخذ الوسائل لقمعها، وإذا وجب أن تحترم

الآراء وأن تكون حرة، فإن أولى بالاحترام والحرية آراء المتعلمين من رجال الدين

فهي على كل حال بعيدة عن أن تكون سيئة الغاية أو منكرة الأثر.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٢٦ · الصفحة ٥٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٢٦ · ص ٥٣