فلا تستعجلوه..
[النحل: 1] قالوا: لأن الله هو الذي قال أتى ولا أحد يستطيع أن يعترض عليه أو يمنعه أن يحقق ما أخبر به. كذلك في قوله ﴿ اقتربت الساعة.. ﴾ [القمر: 1] فقد اقتربت بالفعل، إما ساعة كل إنسان حينما يأتي أجله وهذا قريب، أو الساعة العامة فهي أيضا قريبة، لأن انشقاق القمر من علاماتها وبعثته صلى الله عليه وسلم من علاماتها. ويروى أن المكذبين لرسول الله قالوا له: إن كنت صادقا فيما تخبر به فأت بآية الآن تدل على صدقك، قالوا: الوليد بن المغيرة وأبو جهل بن هشام والعاص بن وائل، والعاص بن ربيعة، والأسود ابن عبد يغوث، والأسود بن عبد المطلب، وربيعة بن الأسود، والنضر بن الحارث. وكل هؤلاء وغيرهم حضروا هذه الواقعة، حيث دعا رسول الله وسأل ربه فانفلق القمر نصفين، نصف على جبل أبي قبيس، ونصف على قينقاع حتى ظهر غار حراء بينهما، فلما رأوا ذلك قالوا: هذا سحر، أما أهل التعقل فقالوا: نسأل المسافرين في الصحراء بعيدا عن هذا المكان، فلما سألوهم قالوا: نعم رأيناه وقال آخرون: لم نره. وقد أرجع الإمام علي رضي الله عنه هذا الاختلاف إلى أن آية انشقاق القمر آية ليلية، البعض رآها بالفعل، والبعض بل الأكثر لم يرها. وباستقراء الآيات التي وردت في قيام الساعة وما يسبقها من علامات، نقرأ
إذا الشمس كورت * وإذا النجوم انكدرت
[التكوير: 1-2] وغيرها كثير مما يصور لنا انهدام هذه الكيانات. أما القمر فلم يأت فيه إلا قوله تعالى:
فإذا برق البصر * وخسف القمر
[القيامة: 7-8] والخسف أهون، وأقل من تكوير الشمس. ونفهم من هذا أن حادثة انشقاق القمر في الدنيا ستدخر له في الآخرة، فلا يحدث له ما يحدث لغيره من النجوم. لذلك يقول سبحانه:
ونفخ في الصور فصعق من في السموت ومن في الأرض إلا من شآء الله..
[الزمر: 68] إذن: هناك من يصعق وهناك من ينجو. وفي تصوير سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم لموقف القيامة يقول: فلما أفقت وجدت أخي موسى آخذا بعضد العرش. وهذا يعني أنه عليه السلام لم يصعق فيمن صعق - لذلك تعجب رسول الله. ثم بين أنه صعق مرة في الدنيا وهو على جبل الطور:
فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا وخر موسى صعقا..
[الأعراف: 143] وما كان الله سبحانه وتعالى ليجمع على نبيه موسى الصعقتين، فلما صعق في الدنيا نجاه من صعقة الآخرة. وهذا هو الاستثناء
إلا من شآء الله..
[الزمر: 68]. وهكذا الحال في مسألة انشقاق القمر، وهذا يعني أن الانشقاق كان حقيقيا وآية كونية أخرجت القمر عن طبيعته وكيفيته، لذلك لا يصيبه ما يصيب النجوم الأخرى في الآخرة.