1.4-5
إذا كانت كل نعم الله تستحق الحمد.. فإن ﴿ ملك يوم الدين ﴾ [الفاتحة: 4] تستحق الحمد الكبير.. لأنه لو لم يوجد يوم للحساب، لنجا الذي ملأ الدنيا شرورا. دون أن يجازى على ما فعل.. ولكان الذي التزم بالتكليف والعبادة وحرم نفسه من متع دنيوية كثيرة إرضاء لله قد شقي في الحياة الدنيا.. ولكن لأن الله تبارك وتعالى هو ﴿ ملك يوم الدين ﴾ [الفاتحة: 4].. أعطى الاتزان للوجود كله.. هذه الملكية ليوم الدين هي التي حمت الضعيف والمظلوم وأبقت الحق في كون الله.. إن الذي منع الدنيا أن تتحول إلى غابة يفتك فيها القوي بالضعيف والظالم بالمظلوم هو أن هناك آخرة وحسابا، وأن الله سبحانه وتعالى هو الذي سيحاسب خلقه. والإنسان المستقيم استقامته تنفع غيره لأنه يخشى الله ويعطي كل ذي حق حقه ويعفو ويسامح.. إذن كل من حوله قد استفاد من خلقه الكريم ومن وقوفه مع الحق والعدل. أما الإنسان العاصي، فيشقى به المجتمع لأنه لا أحد يسلم من شره ولا أحد إلا يصيبه ظلمه.. ولذلك فإن ﴿ ملك يوم الدين ﴾ [الفاتحة: 4] هي الميزان.. تعرف أنت أن الذي يفسد في الأرض تنتظره الآخره.. لن يفلت مهما كانت قوته ونفوذه، فتطمئن اطمئنانا كاملا إلى أن عدل الله سينال كل ظالم. على أن ﴿ ملك يوم الدين ﴾ [الفاتحة: 4] لها قراءتان.. ﴿ ملك يوم الدين ﴾ [الفاتحة: 4].. وملك يوم الدين. والقراءتان صحيحتان.. والله تبارك وتعالى وصف نفسه في القرآن الكريم بأنه: ﴿ ملك يوم الدين ﴾ [الفاتحة: 4].. ومالك الشيء هو المتصرف فيه وحده.. ليس هناك دخل لأي فرد آخر.. أنا أملك عباءتي.. وأملك متاعي، وأملك منزلي، وأنا المتصرف في هذا كله أحكم فيه بما أراه. فمالك يوم الدين.. معناها أن الله سبحانه وتعالى سيصرف أمور العباد في ذلك اليوم بدون أسباب.. وأن كل شيء سيأتي من الله مباشرة.. دون أن يستطيع أحد أن يتدخل ولو ظاهرا. ففي الدنيا يعطي الله الملك ظاهرا لبعض الناس.. ولكن في يوم القيامة ليس هناك ظاهر.. فالأمر مباشر من الله سبحانه وتعالى.. ولذلك يقول الله في وصف يوم الدين:
كلا بل تكذبون بالدين
[الانفطار: 9]. فكأن الله سبحانه وتعالى خلق الإنسان في الدنيا لتمضي به الحياة.. ولكن في الآخرة لا توجد أسباب. الملك في ظاهر الدنيا من الله يهبه لمن يشاء.. واقرأ قوله تعالى:
قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشآء وتنزع الملك ممن تشآء وتعز من تشآء وتذل من تشآء بيدك الخير إنك على كل شيء قدير
[آل عمران: 26]. ولعل قوله تعالى: " تنزع " تلفتنا إلى أن أحدا في الدنيا لا يريد أن يترك الملك.. ولكن الملك يجب أن ينتزع منه انتزاعا بالرغم عن إرادته.. والله هو الذي ينزع الملك ممن يشاء. وهنا نتساءل: هل الملك في الدنيا والآخرة ليس لله؟.. نقول الأمر في كل وقت لله.. ولكن الله تبارك وتعالى استخلف بعض خلقه أو مكنهم من الملك في الأرض.. ولذلك نجد في القرآن الكريم قوله تعالى:
ألم تر إلى الذي حآج إبراهيم في ربه أن آتاه الله الملك إذ قال إبراهيم ربي الذي يحيي ويميت قال أنا أحيي وأميت قال إبراهيم فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب فبهت الذي كفر والله لا يهدي القوم الظالمين
[البقرة: 258]. والذي حاج إبراهيم في ربه كافر منكر للألوهية.. ومع ذلك فإنه لم يأخذ الملك بذاته.. بل الله جل جلاله هو الذي اتاه الملك.. إذن الله تبارك وتعالى هو الذي استخلف بعض خلقه ومكنهم من ملك في الأرض ظاهريا.. ومعنى ذلك أنه ملك ظاهر للناس فقط.. أن بشرا أصبح ملكا.. ولكن الملك ليس نابعا من ذات من يملك.. ولكنه نابع من أمر الله.. ولو كان نابعا من ذاتية من يملك لبقى له ولم ينزع منه.. والملك الظاهر يمتحن فيه العباد، فيحاسبهم الله يوم القيامة.. كيف تصرفوا؟ وماذا فعلوا؟.. ويمتحن فيه الناس هل سكتوا على الحاكم الظالم؟.. وهل استحبوا المعصية؟ أم أنهم وقفوا مع الحق ضد الظلم؟.. والله سبحانه وتعالى لا يمتحن الناس ليعلم المصلح من المفسد.. ولكنه يمتحنهم ليكونوا شهداء على أنفسهم.. حتى لا يأتي واحد منهم يوم القيامة ويقول: يا رب لو أنك أعطيتني الملك لاتبعت طريق الحق وطبقت منهجك. وهنا يأتي سؤال.. إذا كان الله سبحانه وتعالى يعلم كل شيء فلماذا الامتحان؟.. نقول إننا إذا أردنا أن نضرب مثلا يقرب ذلك إلى الأذهان.. ولله المثل الأعلى.. نجد أن الجامعات في كل أنحاء الدنيا تقيم الامتحانات لطلابها.. فهل أساتذة الجامعة الذين علموا هؤلاء الطلاب يجهلون ما يعرفه الطالب ويريدون أن يحصلوا منه على العلم؟.. طبعا لا.. ولكن ذلك يحدث حتى إذا رسب الطالب في الامتحان.. وجاء يجادل واجهوه بإجابته فيسكت.. ولو لم يعقد الامتحان لادعى كل طالب أنه يستحق مرتبة الشرف. اذا قال الحق تبارك وتعالى: ﴿ ملك يوم الدين ﴾ [الفاتحة: 4].. أي الذي يملك هذا اليوم وحده يتصرف فيه كما يشاء.. واذا قيل: ﴿ ملك يوم الدين ﴾ [الفاتحة: 4].