تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقالوا الحمد لله الذي صدقنا وعده وأورثنا الأرض نتبوأ من الجنة حيث نشآء فنعم أجر العاملين

[الزمر: 74]. وقوله تعالى:

دعواهم فيها سبحانك اللهم وتحيتهم فيها سلام وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين

[يونس: 10]. فإذا انتقلنا إلى قوله تعالى: ﴿ الرحمن الرحيم ﴾ [الفاتحة: 3] فمن موجبات الحمد أن الله سبحانه وتعالى رحمن رحيم.. يعطي نعمه في الدنيا لكل عباده عطاء ربوبية، وعطاء الربوبية للمؤمن والكافر.. وعطاء الربوبية لا ينقطع إلا عندما يموت الإنسان. والله لا يحجب نعمه عن عبيده في الدنيا.. ونعم الله لا تعد ولا تحصى ومع كل التقدم في الآلات الحاسبة والعقول الإلكترونية وغير ذلك فإننا لم نجد أحدا يتقدم ويقول أنا سأحصي نعم الله.. لأن موجبات الإحصاء أن تكون قادرا عليه.. فأنت لا تقبل على عد شيء إلا إذا كان في قدرتك أن تحصيه.. ولكن مادام ذلك خارج قدرتك وطاقاتك فإنك لا تقبل عليه.. ولذلك لن يقبل أحد حتى يوم القيامة على إحصاء نعم الله تبارك وتعالى لأن أحدا لا يمكن أن يحصيها. ولابد أن نلتفت إلى أن الكون كله يضيق بالإنسان، وأن العالم المقهور الذي يخدمنا بحكم القهر والتسخير يضيق حين يرى العاصين.. لأن المقهور مستقيم على منهج الله قهرا.

. فحين يرى كل مقهور الإنسان الذي هو في خدمته عاصيا يضيق. واقرأ الحديث القدسي لتعرف شيئا عن رحمة الله بعباده.. يقول الله عز وجل:

" ما من يوم تطلع شمسه إلا وتنادي السماء تقول يا رب إئذن لي أن أسقط كسفا على ابن آدم فقد طعم خيرك ومنع شكرك. وتقول البحار يا رب إئذن لي أن أغرق ابن آدم فقد طعم خيرك ومنع شكرك. وتقول الجبال يا رب إئذن لي أن أطبق على ابن آدم فقد طعم خيرك ومنع شكرك. فيقول الله تعالى: دعوهم دعوهم لو خلقتموهم لرحمتموهم إنهم عبادي فإن تابوا إلي فأنا حبيبهم، وإن لم يتوبوا فأنا طبيبهم "

" رواه الإمام أحمد بن حنبل في مسنده ". تلك تجليات صفة الرحمن وصفة الرحيم.. وكيف ضمنت لنا بقاء كل ما يخدمنا في هذا الكون مع معصية الإنسان.. إنها كلها تخدمنا بعطاء الربوبية وتبقى في خدمتنا بتسخير الله لها لأنه رحمن رحيم.. بعض الناس قد يتساءل: هل تتكلم الأرض والسماء وغيرها من المخلوقات في عالم الجماد والنبات والحيوان؟ نقول نعم إن لها لغة لا نعرفها نحن وإنما يعرفها خالقها.. بدليل أنه منذ الخلق الأول أبلغنا الحق تبارك وتعالى أن هناك لغة لكل هذه المخلوقات.. واقرأ قوله جل جلاله:

ثم استوى إلى السمآء وهي دخان فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها قالتآ أتينا طآئعين

[فصلت: 11]. إذن، فالأرض والسماء فهمت كلتاهما عن الله.. وقالت له سبحانه وتعالى

أتينا طآئعين

[فصلت: 11] ألم يعلم الله سليمان منطق الطير ولغة النمل؟ ألم تسبح الجبال مع داود؟ إذن كل خلق الله له إدراكات مناسبة له.. بل له عواطف.. فعندما تكلم الله سبحانه وتعالى عن قوم فرعون.. قال:

كم تركوا من جنات وعيون * وزروع ومقام كريم * ونعمة كانوا فيها فاكهين * كذلك وأورثناها قوما آخرين * فما بكت عليهم السمآء والأرض وما كانوا منظرين

[الدخان: 25-29]. إذن، فالسماوات والأرض لهما انفعال.. انفعال يصل إلى مرحلة البكاء.. فهما لم تبكيا على فرعون وقومه.. ولكنهما تبكيان حزنا عندما يفارقهما الإنسان المؤمن المصلي المطبق لمنهج الله.. ولقد قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: إذا مات المؤمن بكى عليه موضعان موضع في الأرض وموضع في السماء.. أما الموضع في الأرض فهو مكان مصلاه الذي أسعده وهو يصلى فيه. وأما الموضع في السماء فهو مصعد عمله الطيب.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ١٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ١٠