تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وجعل الليل سكنا

[الأنعام: 96] فإذا جاء النهار انتشروا، وإذا جاء الليل أوى كل شيء إلى مأواه ﴿ والقمر إذا اتسق ﴾ أي وأقسم بالقمر إذا تكامل ضوءه ونوره، وصار بدرا ساطعا مضيئا ﴿ لتركبن طبقا عن طبق ﴾ هذا جواب القسم أي لتلاقن يا معشر الناس أهوالا وشدائد في الآخرة عصيبة قال الألوسي: يعني لتركبن أحوالا بعد أحوال، هي طبقات في الشدة بعضها أرفع من بعض، وهي الموت وما بعده من مواطن القيامة وأهوالها وقال الطبري: المراد أنهم يلقون من شدائد يوم القيامة وأهواله أحوالا ﴿ فما لهم لا يؤمنون ﴾ استفهام يقصد به التوبيخ أي فما لهؤلاء المشركين لا يؤمنون بالله، ولا يصدقون بالبعث بعد الموت، بعد وضوح الدلائل وقيام البراهين على قوعه؟ ﴿ وإذا قرىء عليهم القرآن لا يسجدون ﴾ أي وإذا سمعوا آيات القرآن، لم يخضعوا ولم يسجدوا للرحمن؟ ﴿ بل الذين كفروا يكذبون ﴾ أي بل طبيعة هؤلاء الكفار التكذيب والعناد والجحود، ولذلك لا يخضعون عند تلاوته ﴿ والله أعلم بما يوعون ﴾ أي والله أعلم بما يجمعون في صدورهم من الكفر والتكذيب قال ابن عباس: ﴿ يوعون ﴾ أي يضمرون من عداوة الرسول صلى الله عليه وسلم والمؤمنين ﴿ فبشرهم بعذاب أليم ﴾ أي فبشرهم على كفرهم وضلالهم بعذاب مؤلم موجع، واجعل ذلك بمنزلة البشارة لهم قال في التسهيل: ووضع البشارة في موضع الإنذار تهكم بالكفار ﴿ إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات ﴾ أي لكن الذين صدقوا الله ورسوله، وجمعوا بين الإيمان وصالح الأعمال ﴿ لهم أجر غير ممنون ﴾ أي لهم ثواب في الآخرة غير منقوص ولا مقطوع، بل هو دائم مستمر.

ختم تعالى السورة الكريمة ببيان نعيم الأبرار، بعد أن ذكر مآل الفجار، وهو توضيح لما أجمله في أول السورة من ملاقاة كل عامل لجزائه في قوله ﴿ يأيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحا فملاقيه ﴾.

البلاغة: تضمنت السورة الكريمة وجوها من البيان والبديع نوجزها فيما يلي:

1- الطباق بين لفظ ﴿ السمآء ﴾ و ﴿ الأرض ﴾.

2- المقابلة بين ﴿ فأما من أوتي كتابه بيمينه ﴾ وبين ﴿ وأما من أوتي كتابه ورآء ظهره ﴾.

3- الكناية ﴿ لتركبن طبقا عن طبق ﴾ كنى به عن الشدة والأهوال التي يلقاها الإنسان.

4- الجناس الناقص بين كلمتي ﴿ وسق ﴾ و ﴿ اتسق ﴾.

5- الأسلوب التهكمي ﴿ فبشرهم بعذاب أليم ﴾ استعمال البشارة في موضع الإنذار تهكم وسخرية بالكفار.

6- توافق الفواصل مراعاة لرءوس الآيات مثل ﴿ إذا السمآء انشقت * وأذنت لربها وحقت ﴾ ومثل ﴿ فلا أقسم بالشفق * والليل وما وسق * والقمر إذا اتسق * لتركبن طبقا عن طبق ﴾ ويسمى بالسجع وهو من المحسنات البديعية.

صفوة التفاسير · الصفحة ٨٠٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

صفوة التفاسيرص ٨٠٦