لا يعصون الله مآ أمرهم ويفعلون ما يؤمرون
[التحريم: 6] ثم ذكر تعالى قبح جريمة الكافر، وإفراطه في الكفر والعصيان مع كثرة إحسان الله إليه فقال ﴿ قتل الإنسان مآ أكفره ﴾ أي لعن الكافر وطرد من رحمة الله، ما أشد كفره بالله مع كثرة إحسانه إليه وأياديه عنده؟ قال الألوسي: والآية دعاء عليه بأشنع الدعوات وأفظعها، وتعجيب من إفراطه في الكفر والعصيان، وهذا في غاية الإيجاز والبيان ﴿ من أي شيء خلقه ﴾ أي من أي شيء خلق الله هذا الكافر حتى يتكبر على ربه؟ ثم وضح ذلك فقال ﴿ من نطفة خلقه فقدره ﴾ أي من ماء مهين حقير بدأ خلقه، فقدره في بطن أمه أطوارا من نطفة ثم من علقة إلى أن تم خلقه قال ابن كثير: قدر رزقه، وأجله، وعمله، وشقي أو سعيد ﴿ ثم السبيل يسره ﴾ أي ثم سهل له طريق الخروج من بطن أمه قال الحسن البصري: كيف يتكبر من خرج من سبيل البول مرتين؟ يعني الذكر والفرج ﴿ ثم أماته فأقبره ﴾ أي ثم أماته وجعل له قبرا يوارى فيه إكراما له، ولم يجعله ملقى للسباع والوحوش والطيور قال الخازن: وهذه تكرمة لبني آدم على سائر الحيوانات ﴿ ثم إذا شآء أنشره ﴾ أي ثم حين يشاء الله إحياءه، يحييه بعد موته للبعث والحساب والجزاء، وإنما قال ﴿ إذا شآء ﴾ لأن وقت البعث غير معلوم لأحد، فهو إلى مشيئة الله تعالى، متى شاء أن يحيي الخلق أحياهم ﴿ كلا لما يقض مآ أمره ﴾ أي ليرتدع وينزجر هذا الكافر عن تكبره وتجبره، فإنه لم يؤد ما فرض عليه، ولم يفعل ما كلفه به ربه من الإيمان والطاعة.
. ولما ذكر خلق الإنسان، ذكر بعده رزقه، ليعتبر بما أغدق الله عليه من أنواع النعم، فيشكر ربه ويطيعه فقال ﴿ فلينظر الإنسان إلى طعامه ﴾ أي فلينظر هذا الإنسان الجاحد نظر تفكر واعتبار، إلى أمر حياته، كيف خلقه بقدرته، ويسره برحمته، وكيف هيأ له أسباب المعاش، وخلق له الطعام الذي به قوام حياته؟! ثم فصل ذلك فقال ﴿ أنا صببنا المآء صبا ﴾ أي أنا بقدرتنا أنزلنا الماء من السحاب على الأرض إنزالا عجيبا ﴿ ثم شققنا الأرض شقا ﴾ أي شققنا الأرض بخروج النبات منها شقا بديعا ﴿ فأنبتنا فيها حبا * وعنبا وقضبا ﴾ أي فأخرجنا بذلك الماء أنواع الحبوب والنباتات: حبا يقتات الناس به ويدخرونه، وعنبا شهيا لذيذا، وسائر البقول مما يؤكل رطبا ﴿ وزيتونا ونخلا ﴾ أي وأخرجنا كذلك أشجار الزيتون والنخيل، يخرج منها الزيت والرطب والتمر ﴿ وحدآئق غلبا ﴾ أي وبساتين كثيرة الأشجار، ملتفة الأغصان ﴿ وفاكهة وأبا ﴾ أي وأنواع الفواكه والثمار، كما أخرجنا ما ترعاه البهائم قال القرطبي: الأب ما تأكله البهائم من العشب ﴿ متاعا لكم ولأنعامكم ﴾ أي أخرجنا ذلك وأنبتناه ليكون منفعة ومعاشا لكم أيها الناس ولأنعامكم قال ابن كثير: وفي هذه الآيات امتنان على العباد وفيها استدلال بإحياء النبات من الأرض الهامدة، على إحياء الأجسام بعدما كانت عظاما بالية وأوصالا متفرقة.. ثم ذكر تعالى بعد ذلك أهوال القيامة فقال ﴿ فإذا جآءت الصآخة ﴾ أي فإذا جاءت صيحة القيامة التي تصخ الآذان حتى تكاد تصمها ﴿ يوم يفر المرء من أخيه * وأمه وأبيه * وصحبته وبنيه ﴾ أي في ذلك اليوم الرهيب يهرب الإنسان من أحبابه، من أخيه، وأمه، وأبيه، وزوجته، وأولاده لاشتغاله بنفسه قال في التسهيل: ذكر تعالى فرار الإنسان من أحبابه، ورتبهم على مراتبهم في الحنو والشفقة، فبدأ بالأقل وختم بالأكثر، لأن الإنسان أشد شفقة على بنيه من كل من تقدم ذكره ﴿ لكل امرىء منهم يومئذ شأن يغنيه ﴾ أي لكل إنسان منهم في ذلك اليوم العصيب، شأن يشغله عن شأن غيره، فإنه لا يفكر في سوى نفسه، حتى إن الأنبياء صلوات الله عليهم ليقول الواحد منهم يومئذ " نفسي نفسي ".. ولما بين تعالى حال القيامة وأهوالها، بين بعدها حال الناس وانقسامهم في ذلك اليوم إلى سعداء وأشقياء، فقال في وصف السعداء: ﴿ وجوه يومئذ مسفرة ﴾ أي وجوه في ذلك اليوم مضيئة مشرقة من البهجة والسرور ﴿ ضاحكة مستبشرة ﴾ أي فرحة مسرورة بما رأته من كرامة الله ورضوانه، مستبشرة بذلك النعيم الدائم ﴿ ووجوه يومئذ عليها غبرة ﴾ أي ووجوه في ذلك اليوم عليها غبار ودخان ﴿ ترهقها قترة ﴾ أي تغشاها وتعلوها ظلمة وسواد ﴿ أولئك هم الكفرة الفجرة ﴾ أي أولئك الموصوفون بسواد الوجوه، هم الجامعون بين الكفر والفجور، قال الصاوي: جمع الله تعالى إلى سواد وجوههم الغبرة كما جمعوا الكفر إلى الفجور.