تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ويسألونك عن الجبال فقل ينسفها ربي نسفا * فيذرها قاعا صفصفا * لا ترى فيها عوجا ولا أمتا

[طه: 105-107] أي لا شيء ينخفض ولا شيء يرتفع.. ذكر تعالى العذاب المؤلم الذي أعده للمشركين، ومكانه وهو الجحيم، وآلاته وهي القيود وطعام الزقوم، ووقته وهو عند اضطراب الأرض وتزلزلها بمن عليها، وأراد بذلك تخويف المكذبين وتهديدهم بأنه تعالى سيعاقبهم بذلك كله، إن بقوا مستمرين في تكذيبهم لرسول الله عليه الصلاة والسلام، ثم أعقبه بتذكيرهم بما حل بالأمم الباغية التي قد خلت من قبلهم، وكيف عصت وتمردت فأنزل بها من أمره ما أنزل، وضرب لهم المثل بفرعون الجبار فقال ﴿ إنآ أرسلنآ إليكم رسولا شاهدا عليكم ﴾ أي بعثنا لكم يا أهل مكة محمدا صلى الله عليه وسلم شاهدا على أعمالكم، يشهد عليكم بما صدر منكم من الكفر والعصيان ﴿ كمآ أرسلنآ إلى فرعون رسولا ﴾ أي كما بعثنا إلى ذلك الطاغية فرعون الجبار، رسولا من أولئك الرسل العظام " أولي العزم " وهو موسى بن عمران قال الخازن: وإنما خص فرعون وموسى بالذكر من بين سائر الأمم والرسل، لأن محمدا صلى الله عليه وسلم آذاه أهل مكة واستخفوا به لأنه ولد فيهم، كما أن فرعون أزدرى بموسى وآذاه لأنه رباه ﴿ فعصى فرعون الرسول ﴾ أي فكذب فرعون بموسى ولم يؤمن به، وعصى أمره كما عصيتم يا معشر قريش محمدا صلى الله عليه وسلم وكذبتم برسالته ﴿ فأخذناه أخذا وبيلا ﴾ أي فأهلكناه إهلاكا شديدا فظيعا، خارجا عن حدود التصور، وذلك بإغراقه في البحر مع قومه قال أبو السعود: وفي الآية التنبيه على أنه سيحيق بهؤلاء ما حاق بأولئك لا محالة، و " الوبيل " الثقيل الغليظ من قولهم كلأ وبيل أي وخيم لا يستمرأ لثقله.

. وبعد أن ذكر الله أخذه لفرعون، وأن ملكه وجبروته لم يدفعا عنه العذاب، عاد فذكر كفار مكة بالقيامة وأهوالها ليبين لهم أنهم لن يفلتوا من العذاب كما لم يفلت فرعون مما حدث له فقال ﴿ فكيف تتقون إن كفرتم يوما يجعل الولدان شيبا ﴾ أي كيف لا تحذرون وتخافون يا معشر قريش عذاب يوم هائل إن كفرتم بالله ولم تؤمنوا به؟ وكيف تأمنون ذلك اليوم الرهيب الذي يشيب فيه الوليد من شدة هوله، وفظاعة أمره؟ قال الطبري: وإنما تشيب الولدان من شدة هوله وكربه، وذلك حين يقول الله لآدم: أخرج من ذريتك بعث النار، من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون، فيشيب هنالك كل وليد.. ثم زاد في وصفه وهوله فقال ﴿ السمآء منفطر به ﴾ أي السماء متشققة ومتصدعة من هول ذلك اليوم الرهيب العصيب ﴿ كان وعده مفعولا ﴾ أي كان وعده تعالى بمجيء ذلك اليوم واقعا لا محالة، لأن الله لا يخلف الميعاد ﴿ إن هذه تذكرة ﴾ أي إن هذه الآيات المخوفة، التي فيها القوارع والزواجر، عظة وعبرة للناس ﴿ فمن شآء اتخذ إلى ربه سبيلا ﴾ أي فمن شاء من الغافلين الناسين، أن يستفيد من هذه التذكرة قبل فوات الأوان، فليسلك طريقا موصلا إلى الرحمن، بالإيمان والطاعة، فالأسباب ميسرة، والسبل معبدة، قال المفسرون: والغرض الحض على الإيمان وطاعة الله عز وجل، والترغيب في الأعمال الصالحة، لتبقى ذخرا في الآخرة.. ثم عادت الآيات الكريمة للحديث عما بدأته في أول السورة من قيام الليل فقال تعالى ﴿ إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى من ثلثي الليل ونصفه وثلثه وطآئفة من الذين معك ﴾ أي إن ربك يا محمد يعلم أنك تقوم مع أصحابك للتهجد والعبادة أقل من ثلثي الليل، وتارة تقومون نصفه، وتارة ثلثه كقوله تعالى

كانوا قليلا من الليل ما يهجعون * وبالأسحار هم يستغفرون

[الذاريات: 17-18] ﴿ والله يقدر الليل والنهار ﴾ أي والله جل وعلا هو العالم بمقادير الليل والنهار، وأجزائهما وساعاتهما، لا يفوته علم ما تفعلون من قيام هذه الساعات في غلس الظلام ابتغاء رضوانه، وهو تعالى المدبر لأمر الليل والنهار ﴿ علم أن لن تحصوه فتاب عليكم ﴾ أي علم تعالى أنكم لن تطيقوا قيام الليل كله ولا معظمه، فرحمكم ورجع عليكم بالتخفيف قال الطبري: أي علم ربكم أن لن تطيقوا قيامه، فتاب عليكم بالتخفيف عنكم ﴿ فاقرءوا ما تيسر من القرآن ﴾ أي فصلوا ما تيسر لكم من صلاة الليل، وإنما عبر عن الصلاة بالقراءة، لأن القراءة أحد أجزاء الصلاة قال ابن عباس: سقط عن أصحاب رسول الله قيام الليل وصارت تطوعا، وبقي ذلك فرضا على رسول الله صلى الله عليه وسلم.. ثم بين تعالى الحكمة في هذا التخفيف فقال ﴿ علم أن سيكون منكم مرضى ﴾ أي علم تعالى أنه سيوجد فيكم من يعجزه المرض عن قيام الليل، فخفف عنكم رحمة بكم ﴿ وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله ﴾ أي وقوم آخرون يسافرون في البلاد للتجارة، يطلبون الرزق وكسب المال الحلال ﴿ وآخرون يقاتلون في سبيل الله ﴾ أي وقوم آخرون وهم الغزاة المجاهدون، يجاهدون في سبيل الله لإعلاء كلمته ونشر دينه، وكل من هذه الفرق الثلاثة يشق عليهم قيام الليل، فلذلك خفف الله عنهم، ذكر تعالى في هذه الآية الأعذار التي تكون للعباد تمنعهم من قيام الليل، فمنها المرض، ومنها السفر للتجارة، ومنها الجهاد في سبيل الله، ثم كرر الأمر بقراءة ما تيسر من القرآن تأكيدا للتخفيف عنهم قال الإمام الفخر: أما المرضى فإنهم لا يمكنهم الاشتغال بالتهجد لمرضهم، وأما المسافرون والمجاهدون فهم مشغولون في النهار بالأعمال الشاقة، فلو لم يناموا في الليل لتوالت أسباب المشقة عليهم، فلذلك خفف الله عنهم وصار وجوب التهجد منسوخا في حقهم ﴿ فاقرءوا ما تيسر منه ﴾ أي فصلوا ما تيسر لكم من صلاة الليل، واقرءوا في صلاتكم ما تيسر من القرآن ﴿ وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة ﴾ أي وأدوا الصلاة المفروضة على الوجه الأكمل، والزكاة الواجبة عليكم إلى مستحقيها قال المفسرون: قلما يذكر الأمر بالصلاة في القرآن، إلا ويقرن معه الأمر بالزكاة، فإن الصلاة عماد الدين بين العبد وربه، والزكاة كذلك عماد الدين بينه وبين إخوانه، والصلاة أعظم العبادات البدنية، والزكاة أعظم العبادات المالية ﴿ وأقرضوا الله قرضا حسنا ﴾ أي تصدقوا في وجوه البر والإحسان ابتغاء وجه الله قال ابن عباس: يريد سائر الصدقات سوى الزكاة، من صلة الرحم، وقرى الضيف وغيرهما ﴿ وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله ﴾ أي أي شيء تفعلوه أيها الناس من وجوه البر والخير تلقوا أجره وثوابه عند ربكم ﴿ هو خيرا وأعظم أجرا ﴾ أي تجدوا ذلك الأجر والثواب يوم القيامة خيرا لكم مما قدمتم في الدنيا من صلح الأعمال، فإن الدنيا فانية والآخرة باقية، وما عند الله خير للأبرار ﴿ واستغفروا الله ﴾ أي اطلبوا مغفرة الله في جميع أحوالكم، فإن الإنسان قلما يخلو من تقصير أو تفريط ﴿ إن الله غفور رحيم ﴾ أي عظيم المغفرة، واسع الرحمة.

صفوة التفاسير · الصفحة ٧٧٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

صفوة التفاسيرص ٧٧٢