تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

يأيها الرسول بلغ مآ أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته

[المائدة: 67] قال ابن كثير: أي لا يجيرني منه ويخلصني إلا إبلاغي الرسالة التي أوجب أداءها علي ﴿ ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم خالدين فيهآ أبدا ﴾ أي ومن كذب الله ورسوله، ولم يؤمن بلقاء الله، وأعرض عن سماع الآيات وتدبر الرسالات، فإن جزاءه جهنم لا يخرج منها أبدا وإنما جمع ﴿ خالدين ﴾ حملا على معنى ﴿ من ﴾ لأن لفظها مفرد ومعناها جمع ﴿ حتى إذا رأوا ما يوعدون ﴾ أي حتى إذا رأى المشركون ما يوعدون من العذاب ﴿ فسيعلمون من أضعف ناصرا وأقل عددا ﴾ أي فسيعلمون حينئذ من هم أضعف ناصرا ومعينا، وأقل نفرا وجندا؟ هل هم؟ أم المؤمنون الموحدون؟ ولا شك أن الله ناصر عباده المؤمنين، فهم الأقوى ناصرا والأكثر عددا، لأن الله معهم وملائكته الأبرار ﴿ قل إن أدري أقريب ما توعدون ﴾؟ أي قل لهم يا محمد: ما أدري هل هذا العذاب الذي وعدتم به قريب زمنه ﴿ أم يجعل له ربي أمدا ﴾ أي أم هو بعيد له مدة طويلة وأجل محدود؟ قال المفسرون: كان صلى الله عليه وسلم كلما خوف المكذبين نار جهنم، وحذرهم أهوال الساعة، أظهروا الاسخفاف بقوله، وسألوه متى هذا العذاب؟ ومتى تقوم هذه الساعة؟ فأمره تعالى أن يقول لهم: لا أدري وقت ذلك، هل هو قريب أم بعيد؟ ﴿ عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا ﴾ أي هو جل وعلا عالم بما غاب عن الأبصار، وخفي عن الأنظار، فلا يطلع على غيبه أحدا من خلقه ﴿ إلا من ارتضى من رسول ﴾ أي إلا من اختاره الله وارتضاه لرسالته ونبوته، فيظهره الله على ما يشاء من الغيب قال المفسرون: لا يطلع الله على غيبه أحدا إلا بعض الرسل، فإنه يطلعهم على بعض الغيب، ليكون معجزة لهم، فإن الرسل مؤيدون بالمعجزات، ومنها الإخبار عن بعض المغيبات، كما قال عن عيسى

وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم

[آل عمران: 49] ﴿ فإنه يسلك من بين يديه ومن خلفه رصدا ﴾ أي فإنه تعالى يرسل من أمام الرسول ومن خلفه، ملائكة وحرسا يحفظونه من الجن، ويحرسونه في ضبط ما يلقيه تعالى إليه من علم الغيب قال الطبري: أي فإنه تعالى يرسل من أمامه ومن خلفه حرسا وحفظة يحفظونه من الجن ﴿ ليعلم أن قد أبلغوا رسالات ربهم ﴾ أي ليعلم الله - علم ظهور فإنه تعالى عالم بما كان وما يكون - أن رسله الكرام قد بلغوا عنه وحيه كما أوحاه إليهم محفوظا من الزيادة والنقصان قال ابن كثير: المعنى أن الله يحفظ رسله بملائكته ليتمكنوا من أداء رسالاته، ويحفظ ما ينزله إليهم من الوحي، ليعلم أن قد أبلغوا رسالات ربهم، مع العلم بأنه تعالى يعلم الأشياء قبل كونها قطعا لا محالة ﴿ وأحاط بما لديهم ﴾ أي أحاط علمه بما عند الرسل، فلا يخفى عليه شيء من أمورهم ﴿ وأحصى كل شيء عددا ﴾ أي علم تعالى علم ضبط واستقصاء جميع الأشياء، المنبثة في الأرضين والسماوات من القطر، والرمل، وورق الأشجار، وزبد البحار، فلا يغيب عنه شيء، ولا يخفى عليه أمر، فكيف لا يحيط علما بما عند رسله من رسالاته ووحيه، التي أمرهم بتبليغها إلى خلقه؟ وكيف يمكن لرسله أن يفرطوا في تلك الرسالات، أو يزيدوا أو ينقصوا أو يحرفوا فيها أو يغيروا، وهو تعالى محيط بها، محص لجميع الأشياء جليلها وحقيرها؟

وعنده مفاتح الغيب لا يعلمهآ إلا هو ويعلم ما في البر والبحر وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين

[الأنعام: 59].

البلاغة: تضمنت السورة الكريمة وجوها من البلاغة والبديع نوجزها فيما يلي:

1- الوصف بالمصدر للمبالغة ﴿ قرآنا عجبا ﴾ أي عجيبا في حسن إيجازه، وروعة إعجازه.

2- طباق السلب ﴿ فآمنا به ولن نشرك بربنآ أحدا ﴾ لأن الإيمان نفي للشرك.

3- جناس الاشتقاق ﴿ نقعد منها مقاعد للسمع ﴾ لما بين اللفظتين من الاشتقاق اللطيف.

صفوة التفاسير · الصفحة ٧٦٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

صفوة التفاسيرص ٧٦٩