تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

. ثم عادوا إلى شكر الله تعالى على نعمة الإيمان واهتدائهم بسماع آيات القرآن فقالوا ﴿ وأنا لما سمعنا الهدى آمنا به ﴾ أي لما سمعنا القرآن العظيم آمنا به وبمن أنزله، وصدقنا محمدا صلى الله عليه وسلم في رسالته ﴿ فمن يؤمن بربه فلا يخاف بخسا ولا رهقا ﴾ أي فمن يؤمن بالله تعالى فلا يخشى نقصانا من حسناته ولا ظلما بزيادة سيئاته قال ابن عباس: لا يخاف أن ينقص من حسناته، ولا أن يزاد في سيئاته، لأن البخس النقصان، والرهق العدوان ﴿ وأنا منا المسلمون ومنا القاسطون ﴾ أي وأنا بعد سماعنا القرآن منا من أسلم، وصدق برسالة محمد صلى الله عليه وسلم، ومنا من جار عن الحق وكفر قال المفسرون: يقال قسط الرجل إذا جار، وأقسط إذا عدل، واسم الفاعل من الأول قاسط، ومن الثاني مقسط ومنه

إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين

[البقرة: 222] وأما القاسط فهو الظالم الجائر ﴿ فمن أسلم فأولئك تحروا رشدا ﴾ أي فمن اعتنق الإسلام واتبع الرسول عليه السلام، فأولئك الذين قصدوا الرشد، واهتدوا إلى طريق السعادة والنجاة ﴿ وأما القاسطون فكانوا لجهنم حطبا ﴾ أي وأما الكافرون الجائرون عن طريق الحق والإيمان، فسيكونون وقودا لجهنم، توقد بهم كما توقد بكفار الإنس.. وإلى هنا انتهى كلام الجن، مما يدل على قوة إيمانهم، وصدقهم وإخلاصهم، ثم قال تعالى مخبرا عن أهل مكة ﴿ وألو استقاموا على الطريقة ﴾ أي لو آمن هؤلاء الكفار، واستقاموا على شريعة الله ﴿ لأسقيناهم مآء غدقا ﴾ أي لبسطنا لهم في الرزق، ووسعنا عليهم في الدنيا، زيادة على ما يحصل لهم في الآخرة من النعيم الدائم، وبذلك يحوزون عز الدنيا والآخرة قال في التسهيل: الماء الغدق: الكثير، وذلك استعارة في توسيع الرزق، والطريقة هي الإسلام وطاعة الله والمعنى: لو استقاموا على ذلك لوسع الله أرزاقهم فهو كقوله

ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السمآء والأرض

[الأعراف: 96] ﴿ لنفتنهم فيه ﴾ أي لنختبرهم به أيشركون أم يكفرون؟ ﴿ ومن يعرض عن ذكر ربه يسلكه عذابا صعدا ﴾ أي ومن يعرض عن طاعة الله وعبادته، يدخله ربه عذابا شديدا شاقا لا راحة فيه قال قتادة: ﴿ صعدا ﴾ عذابا لا راحة فيه وقال عكرمة: هو صخرة ملساء في جهنم يكلف صعودها، فإذا انتهى إلى أعلاها حدر إلى جهنم ﴿ وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحدا ﴾ هذا من جملة الموحى به للرسول ﴿ قل أوحي إلي ﴾ والمعنى وأوحي إلى أن المساجد وبيوت العبادة هي مختصة بالله، فلا تعبدوا فيها غيره وأخلصوا له العبادة فيها قال مجاهد: كان اليهود والنصارى إذا دخلوا كنائسهم وبيعهم، أشركوا بالله فيها، فأمر الله عز وجل نبيه والمؤمنين أن يخلصوا الدعوة لله إذا دخلوا المساجد كلها ﴿ وأنه لما قام عبد الله يدعوه ﴾ أي وأنه لما قام محمد صلى الله عليه وسلم يعبد ربه ﴿ كادوا يكونون عليه لبدا ﴾ أي كاد الجن يركب بعضهم بعضا من شدة الازدحام، حرصا على سماع القرآن قال ابن عباس: كادوا ينقضون عليه لاستماع القرآن، وإنما وصفه تعالى بالعبودية، ولم يذكره باسمه زيادة في تشريفه وتكريمه عليه السلام ﴿ قل إنمآ أدعو ربي ولا أشرك به أحدا ﴾ أي قل يا محمد لهؤلاء الكفار الذين طلبوا منك أن ترجع عن دينك: إنما أعبد ربي وحده، ولا أشرك مع الله غيره بشرا ولا صنما قال الصاوي: سبب نزولها أن كفار قريش قالوا له: إنك جئت بأمر عظيم، وقد عاديت الناس كلهم، فارجع عن هذا فنحن نجيرك وننصرك فنزلت ﴿ قل إني لا أملك لكم ضرا ولا رشدا ﴾ أي قل يا محمد في محاجة هؤلاء: إني لا أقدر أن أدفع عنكم ضرا، ولا أجلب لكم نفعا، وإنما الذي يملك هذا هو الله رب العالمين ﴿ قل إني لن يجيرني من الله أحد ولن أجد من دونه ملتحدا ﴾ أي قل لهم أيضا: إنه لن ينقذني من عذاب الله أحد إن عصيته، ولن أجد لي نصيرا ولا ملجأ منه، فكيف أجيبكم إلى ما طلبتم؟ قال قتادة: ﴿ ملتحدا ﴾ ملجأ ونصيرا ﴿ إلا بلاغا من الله ورسالاته ﴾ أي لا أجد ملجأ إلا إذا بلغت رسالة ربي، ونصحتكم وأرشدتكم كما أمرني الله فحينئذ يجيرني ربي من العذاب كقوله تعالى

صفوة التفاسير · الصفحة ٧٦٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

صفوة التفاسيرص ٧٦٨