لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن
[هود: 36] فاستجاب الله دعاءه وأغرقهم، ولهذا قال تعالى ﴿ مما خطيئاتهم أغرقوا فأدخلوا نارا ﴾ أي من أجل ذنوبهم وإجرامهم، وإصرارهم على الكفر والطغيان، أغرقوا بالطوفان وأدخلوا النيران قال في التسهيل: وهذا من كلام الله تعالى إخبارا عن أمرهم، و ﴿ ما ﴾ في ﴿ مما ﴾ زائدة للتأكيد، وإنما قدم هذا المجرور للتأكيد أيضا، ليبين أن إغراقهم وإدخالهم النار إنما كان بسبب خطاياهم وهي الكفر وسائر المعاصي ﴿ فلم يجدوا لهم من دون الله أنصارا ﴾ أي لم يجدوا من ينصرهم أو يدفع عنهم عذاب الله قال أبو السعود: وفيه تعريض باتخاذهم آلهة من دون الله تعالى، وأنها غير قادرة على نصرهم، وتهكم بهم ﴿ وقال نوح رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا ﴾ أي لا تترك أحدا على وجه الأرض من الكافرين قال في التسهيل: و ﴿ ديارا ﴾ من الأسماء المستعملة في النفي العام يقال: ما في الدار ديار أي ما فيها أحد.
. ثم علل ذلك بقوله ﴿ إنك إن تذرهم يضلوا عبادك ﴾ أي إنك إن أبقيت منهم أحدا، أضلوا عبادك عن طريق الهدى ﴿ ولا يلدوا إلا فاجرا كفارا ﴾ أي ولا يأتي من أصلابهم إلا كل فاجر وكافر قال الإمام الفخر: فإن قيل: كيف عرف نوح ذلك؟ قلنا بالاستقراء، فإنه لبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما، فعرف طباعهم وجربهم، وكان الرجل ينطلق بابنه إليه ويقول: يا بني إحذر فإنه كذاب، وإن أبي أوصاني بمثل هذه الوصية، فيموت الكبير وينشأ الصغير على ذلك، فلذلك قال ﴿ ولا يلدوا إلا فاجرا كفارا ﴾.. ولما دعا على الكفار أعقبه بالدعاء للمؤمنين فقال ﴿ رب اغفر لي ولوالدي ولمن دخل بيتي مؤمنا وللمؤمنين والمؤمنات ﴾ بدأ بنفسه ثم بأبويه، ثم عمم لجميع المؤمنين والمؤمنات، ليكون ذلك أبلغ وأجمع ﴿ ولا تزد الظالمين إلا تبارا ﴾ أي ولا تزد يا رب من جحد بآياتك وكذب رسلك، إلا هلاكا وخسارا في الدنيا والآخرة.
البلاغة: تضمنت السورة الكريمة وجوها من البيان والبديع نوجزها فيما يلي:
1- الطباق بين ﴿ أعلنت.. وأسررت ﴾ وبين ﴿ جهارا.. وإسرارا ﴾ وبين ﴿ ليلا.. ونهارا ﴾ وبين ﴿ يعيدكم.. ويخرجكم ﴾.
2- المجاز المرسل ﴿ جعلوا أصابعهم في آذانهم ﴾ المراد رؤوس الأصابع فهو من إطلاق الكل وإرادة الجزء.
3- الاستعارة التبعية ﴿ والله أنبتكم من الأرض نباتا ﴾ شبه إنشاءهم وخلقهم في أدوار بالنبات الذي تخرجه الأرض، واشتق من لفظ النبات أنبتكم على طريق الاستعارة التعبية.
4- ذكر المصدر للتأكيد مثل ﴿ ويخرجكم إخراجا ﴾ و ﴿ أسررت لهم إسرارا ﴾ و ﴿ استكبروا استكبارا ﴾ ويسمى هذا في علم البديع بالإطناب.
5- ذكر الخاص بعد العام ﴿ وقالوا لا تذرن آلهتكم ولا تذرن ودا ولا سواعا... ﴾ الآية وعكسه ذكر العام بعد الخاص ﴿ رب اغفر لي ولوالدي ولمن دخل بيتي مؤمنا وللمؤمنين والمؤمنات ﴾ وكلاهما من باب الإطناب، وهو من المحسنات البديعية.
6- السجع المرصع مراعاة لرؤوس الآيات مثل ﴿ مدرارا ﴾ ، ﴿ أنهارا ﴾ ، ﴿ وقارا ﴾ ، ﴿ أطوارا ﴾ الخ.
فائدة: استدل العلماء على عذاب القبر بقوله تعالى ﴿ مما خطيئاتهم أغرقوا فأدخلوا نارا ﴾ قالوا: المراد بها نار القبر وعذابه، لأنه تعالى عطف بالفاء، والفاء تفيد الترتيب مع التعقيب، ونار الآخرة لم يذوقوها بعد، فدل على أن المراد عذاب القبر، وهو استدلال لطيف.