. ثم نبههم إلى دلائل القدرة والوحدانية، منبثة في هذا الكون الفسيح فقال ﴿ ألم تروا كيف خلق الله سبع سموت طباقا ﴾ أي ألم تشاهدوا يا معشر القوم عظمة الله وقدرته، وتنظروا نظر اعتبار، وتفكر وتدبر، كيف أن الله العظيم الجليل خلق سبع سماوات سماء فوق سماء، متطابقة بعضها فوق بعض، وهي في غاية الإبداع والإتقان!! ﴿ وجعل القمر فيهن نورا ﴾ أي وجعل القمر في السماء الدنيا، منورا لوجه الأرض في ظلمة الليل قال الإمام الفخر: القمر في السماء الدنيا وليس في السماوات بأسرها، وهذا كما يقال: السلطان في العراق ليس المراد ان ذاته حاصلة في كل أنحائها، بل إن ذاته في حيز من جملة أنحاء العراق، فكذا ههنا وقال في البحر: والقمر في السماء الدنيا، وصح كون السماوات ظرفا للقمر لأنه لا يلزم من الظرف أن يملأ المظروف، تقول زيد في المدينة وهو في جزء منها ﴿ وجعل الشمس سراجا ﴾ أي وجعل الشمس مصباحا مضيئا يستضيء به أهل الدنيا كما يستضيء الناس بالسراج في بيوتهم، ولما كان نور الشمس أشد، وأتم، وأكمل في الانتفاع من نور القمر، عبر عن الشمس بالسراج لأنه يضيء بنفسه، وعبر عن القمر بالنور لأنه يستمد نوره من غيره، ويؤيده ما تقرر في علم الفلك من أن نور الشمس ذاتي فيها، ونور القمر عرضي مكتسب من نورها، فسبحان من أحاط بكل شيء علما ﴿ والله أنبتكم من الأرض نباتا ﴾ بعد أن ذكر دليل الآفاق، ذكر هنا دليل الأنفس، وذلك لأن في ذكر هذه الأمور، دلالة واضحة على عظمة الله، وقدرته وباهر مصنوعاته والمعنى خلقكم وأنشأكم من الأرض كما يخرج النبات، وسلكم من تراب الأرض كما يسل النبات منها قال المفسرون: لما كان إخراجهم وإنشاؤهم إنما يتم بتناولهم عناصر الغذاء الحيوانية والنباتية المستمدة من الأرض، كانوا من هذه الجهة مشابهين للنباتات التي تنمو بامتصاص غذائها من الأرض، فلذا سمى خلقهم وإنشاءهم إنباتا، أو يكون ذلك إشارة إلى خلق آدم حيث خلق من تراب الأرض، ثم جاءت منه ذريته، فصح نسبتهم إلى أنهم أنبتوا من الأرض ﴿ ثم يعيدكم فيها ويخرجكم إخراجا ﴾ أي يرجعكم إلى الأرض بعد موتكم فتدفنون فيها، ثم يخرجكم منها يوم البعث والحشر للحساب والجزاء، وأكده بالمصدر ﴿ إخراجا ﴾ لبيان أن ذلك واقع لا محالة، وهذه الآية كقوله تعالى
منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى
[طه: 55] ﴿ والله جعل لكم الأرض بساطا ﴾ أي جعلها فسيحة ممتدة ممهدة لكم، تتقلبون عليها كما يتقلب الرجل على بساطه قال في التسهيل: شبه الأرض بالبساط في امتدادها واستقرار الناس عليها، وأخذ بعضهم من الآية أنها غير كروية، وفي ذلك نظر وقال الألوسي: وليس في الآية دلالة على أن الأرض مبسوطة غير كروية، لأن الكرة العظيمة يرى كل من عليها ما يليه مسطحا، ثم إن اعتقاد الكرية أو عدمها ليس بلازم في الشريعة، لكن كريتها كالأمر اليقيني، ومعنى جعلها بساطا أي تتقلبون عليها كالبساط ﴿ لتسلكوا منها سبلا فجاجا ﴾ أي لتسلكوا في الأرض طرقا واسعة في أسفاركم، وتنقلكم في أرجائها؟؟ ولما أصروا على العصيان، وقابلوه بأقبح الأقوال والأفعال، حكى عنهم ما قصه القرآن ﴿ قال نوح رب إنهم عصوني ﴾ أي إنهم بالغوا في تكذيبي وعصيان أمري ﴿ واتبعوا من لم يزده ماله وولده إلا خسارا ﴾ أي واتبعوا اغنياءهم ورؤساءهم، الذين أبطرتهم الأموال والأولاد، فهلكوا وخسروا سعادة الدارين، فصاروا أسوة لهم في الخسار ﴿ ومكروا مكرا كبارا ﴾ أي ومكر بهم الرؤساء مكرا عظيما متناهيا في الكبر قال الألوسي: ﴿ وكبارا ﴾ مبالغة في الكبر أي كبيرا في الغاية، وذلك احتيالهم في الدين، وصدهم الناس عنه، وإغراؤهم وتحريضهم على أذية نوح عليه السلام ﴿ وقالوا لا تذرن آلهتكم ﴾ أي لا تتركوا عبادة الأوثان والأصنام، وتعبدوا رب نوح ﴿ ولا تذرن ودا ولا سواعا ولا يغوث ويعوق ونسرا ﴾ أي ولا تتركوا - على وجه الخصوص - هذه الأصنام الخمسة - ودا، وسواعا، ويغوث، ويعوق، ونسرا قال الصاوي: وهذه أسماء أصنام كانوا يعبدونها، وكانت أكبر أصنامهم وأعظمهم عندهم، ولذا خصوها بالذكر، وهذا من شدة كفرهم، وفرط تعنتهم في المكر والاحتيال، فقد كانوا يلبسون ثوب المتنصح المخلص، ويسلكون في تثبيت الضعفاء على عبادة الآباء شتى الأساليب في المكر والخداع ﴿ وقد أضلوا كثيرا ﴾ أي وقد أضل كبراؤهم خلقا وناسا كثيرين، بما زينوا لهم من طرق الغواية والضلال، ثم دعا عليهم بالضلال فقال ﴿ ولا تزد الظالمين إلا ضلالا ﴾ أي ولا تزدهم يا رب على طغيانهم وعدوانهم، إلا ضلالا فوق ضلالهم قال المفسرون: دعا عليهم لما يئس من إيمانهم بإخبار الله له بقوله