. ثم لما ذكر حال الأشقياء الكفار أتبعه بذكر حال السعداء الأبرار فقال ﴿ إن الذين يخشون ربهم بالغيب ﴾ أي يخافون ربهم ولم يروه، ويكفون عن المعاصي طلبا لمرضاة الله ﴿ لهم مغفرة وأجر كبير ﴾ أي لهم عند الله مغفرة عظيمة لذنوبهم، وثواب جزيل لا يعلم قدره غير الله تعالى ﴿ وأسروا قولكم أو اجهروا به ﴾ الخطاب لجميع الخلق أي أخفوا قولكم وكلامكم أيها الناس أو أعلنوه وأظهروه، فسواء أخفيتموه أو أظهرتموه فإن الله يعلمه ﴿ إنه عليم بذات الصدور ﴾ أي لأنه تعالى العالم بالخفايا والنوايا، يعلم ما يخطر في القلوب، وما توسوس به الصدور قال ابن عباس: نزلت في المشركين كانوا ينالون من رسول الله صلى الله عليه وسلم فيخبره جبريل بما قالوا، فقال بعضهم لبعض: أسروا قولكم حتى لا يسمع إله محمد، فأخبره الله أنه لا تخفى عليه خافية ﴿ ألا يعلم من خلق ﴾؟ أي ألا يعلم الخالق مخلوقاته؟ كيف لا يعلم من خلق الأشياء وأوجدها سر المخلوق وجهره؟ ﴿ وهو اللطيف الخبير ﴾ أي والحال أنه اللطيف بالعباد، الذي يعلم دقائق الأمور وغوامضها، الخبير الذي لا يعزب عن علمه شيء، فلا تتحرك ذرة، ولا تسكن أو تضطرب نفس إلا وعنده خبرها.
. ثم ذكر تعالى دلائل قدرته ووحدانيته، وآثار فضله وامتنانه على العباد فقال ﴿ هو الذي جعل لكم الأرض ذلولا ﴾ أي الله جل وعلا جعل لكم الأرض لينة سهلة المسالك ﴿ فامشوا في مناكبها ﴾ أي فاسلكوا أيها الناس في جوانبها وأطرافها قال ابن كثير: أي فسافروا حيث شئتم من أقطارها، وترددوا في أقاليمها وأرجائها للمكاسب والتجارات ﴿ وكلوا من رزقه ﴾ أي وانتفعوا بما أنعم به جل وعلا عليكم من أنواع الكسب والرزق قال الألوسي: كثيرا ما يعبر عن وجوه الانتفاع بالأكل لأنه الأهم الأعم، وفي الآية دليل على ندب التسبب والكسب، وهو لا ينافي التوكل، فقد مر عمر رضي الله عنه بقوم فقال: من أنتم؟ فقالوا: المتوكلون فقال: بل أنتم المتواكلون، إنما المتوكل رجل ألقى حبه في بطن الأرض وتوكل على ربه عز وجل ﴿ وإليه النشور ﴾ أي وإليه تعالى المرجع بعد الموت والفناء، للحساب والجزاء.. ثم توعد تعالى كفار مكة المكذبين لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال ﴿ أأمنتم من في السمآء أن يخسف بكم الأرض ﴾ أي هل أمنتم يا معشر الكفار ربكم العلي الكبير أن يخسف بكم الأرض فيغيبكم في مجاهلها، بعد ما جعلها لكم ذلولا تمشون في مناكبها؟ ﴿ فإذا هي تمور ﴾ أي فإذا بها تضطرب وتهتز بكم هزا شديدا عنيفا قال الرازي: والمراد أن الله تعالى يحرك الأرض عند الخسف بهم حتى تضطرب وتتحرك، فتعلو عليهم وهم يخسفون فيها فيذهبون، والأرض فوقهم تمور فتلقيهم إلى أسفل سافلين ﴿ أم أمنتم من في السمآء أن يرسل عليكم حاصبا ﴾ أي أم أمنتم الله العلي الكبير أن يرسل عليكم حجارة من السماء، كما أرسلها على قوم لوط وأصحاب الفيل؟ ﴿ فستعلمون كيف نذير ﴾ أي فستعلمون عند معاينة العذاب، كيف يكون إنذاري وعقابي للمكذبين!! وفيه وعيد وتهديد شديد، وأصلها ﴿ نذيري ﴾ و ﴿ نكيري ﴾ حذفت الياء مراعاة لرءوس الآيات ﴿ ولقد كذب الذين من قبلهم ﴾ أي ولقد كذب كفار الأمم السابقة رسلهم، كقوم نوح وعاد وثمود وأمثالهم، وهذا تسلية للرسول صلى الله عليه وسلم وتهديد لقومه المشركين ﴿ فكيف كان نكير ﴾ أي فكيف كان إنكاري عليهم بنزول العذاب؟ ألم يكن في غاية الهول والفظاعة؟ ثم لما حذرهم ما عسى أن يحل بهم من الخسف وإرسال الحاصب، نبههم على الاعتبار بالطير، وما أحكم الله من خلقها، وعن عجز آلهتهم المزعومة عن خلق شيء من ذلك فقال ﴿ أولم يروا إلى الطير فوقهم صافات ويقبضن ﴾ أي أولم ينظروا نظر اعتبار الى الطيور فوقهم، باسطات أجنحتهن في الجو عند طيرانها وتحليقها، ﴿ ويقبضن ﴾ أي ويضممنها إذا ضربن بها جنوبهن وقتا بعد وقت؟ ولما كان الغالب هو فتح الجناحين فكأنه هو الثابت عبر عنه بالإسم ﴿ صافات ﴾ وكان القبض متجددا عبر عنه بالفعل ﴿ ويقبضن ﴾ قال في التسهيل: فإن قيل: لم لم يقل " قابضات " على طريقة ﴿ صافات ﴾؟ فالجواب أن بسط الجناحين هو الأصل في الطيران، كما أن مد الأطراف هو الأصل في السباحة، فذكره بصيغة اسم الفاعل ﴿ صافات ﴾ لدوامه وكثرته، وأما قبض الجناحين فإنما يفعله الطائر قليلا للاستراحة والاستعانة، فلذلك ذكره بلفظ الفعل لقلته ﴿ ما يمسكهن إلا الرحمن ﴾ أي ما يمسكهن في الجو عن السقوط في حال البسط والقبض، إلا الخالق الرحمن الذي وسعت رحمته كل ما في الأكوان قال الرازي: وذلك أنها مع ثقلها وضخامة أجسامها، لم يكن بقاؤها في جو الهواء إلا بإمساك الله وحفظه، وإلهامها الى كيفية البسط والقبض المطابق للمنفعة من رحمة الرحمن ﴿ إنه بكل شيء بصير ﴾ أي يعلم كيف يخلق، وكيف يبدع العجائب، بمقتضى علمه وحكمته.