. ثم بين تعالى ما زين به السماء من النجوم الزاهرة والكواكب الساطعة فقال ﴿ ولقد زينا السمآء الدنيا بمصابيح ﴾ اللام لام القسم و ﴿ قد ﴾ للتحقيق والمعنى والله لقد زينا السماء القريبة منكم أيها الناس بكواكب مضيئة ساطعة، هي السماء الأولى أقرب السماوات إلى الأرض قال المفسرون: سميت الكواكب مصابيح لإضاءتها بالليل إضاءة السراج ﴿ وجعلناها رجوما للشياطين ﴾ أي وجعلنا لها فائدة أخرى وهي رجم أعدائكم الشياطين، الذين يسترقون السمع قال قتادة: خلق الله تعالى النجوم لثلاث: زينة للسماء، ورجوما للشياطين، وعلامات يهتدى بها في البر والبحر وقال الخازن: فإن قيل: كيف تكون زينة للسماء، ورجوما للشياطين، وكونها زينة يقتضي بقاءها، وكونها رجوما يقتضي زوالها، فكيف الجمع بين هاتين الحالتين؟ فالجواب أنه ليس المراد أنهم يرمون بأجرام الكواكب، بل يجوز أن تنفصل من الكواكب شعلة وترمى الشياطين بتلك الشعلة وهي الشهب، ومثلها كمثل قبس يؤخذ من النار وهي على حالها، أقول: ويؤيده قوله تعالى
إلا من خطف الخطفة فأتبعه شهاب ثاقب
[الصافات: 10] فعلى هذا، الكواكب لا يرجم بها؛ وإنما يكون الرجم بالشهب ﴿ وأعتدنا لهم عذاب السعير ﴾ أي وهيأنا وأعددنا للشياطين في الآخرة - بعد الإحراق بالشهب في الدنيا - العذاب المستعر، وهو النار الموقدة ﴿ وللذين كفروا بربهم عذاب جهنم ﴾ أي وللكافرين بربهم عذاب جهنم أيضا، فليس العذاب مختصا بالشياطين بل هو لكل كافر بالله من الإنس والجن ﴿ وبئس المصير ﴾ أي وبئست النار مرجعا ومصيرا للكافرين.. ثم وصف تعالى جهنم وما فيها من العذاب والأهوال والأغلال فقال ﴿ إذآ ألقوا فيها ﴾ أي إذا قذفوا وطرحوا في جهنم كما يطرح الحطب في النار العظيمة ﴿ سمعوا لها شهيقا ﴾ أي سمعوا لجهنم صوتا منكرا فظيعا كصوت الحمار، لشدة توقدها وغليانها قال ابن عباس: الشهيق لجهنم عند إلقاء الكفار فيها، تشهق إليهم شهقة البغلة للشعير، ثم تزفر زفرة لا يبقى أحد إلا خاف ﴿ وهي تفور ﴾ أي وهي تغلي بهم كما يغلي المرجل - القدر - من شدة الغضب ومن شدة اللهب قال مجاهد: تفور بهم كما يفور الحب القليل في الماء الكثير ﴿ تكاد تميز من الغيظ ﴾ أي تكاد جهنم تتقطع وينفصل بعضها من بعض، من شدة غيظها وحنقها على أعداء الله ﴿ كلما ألقي فيها فوج ﴾ أي كلما طرح فيها جماعة من الكفرة ﴿ سألهم خزنتهآ ﴾ أي سألتهم الملائكة الموكلون على جهنم - وهم الزبانية - سؤال توبيخ وتقريع ﴿ ألم يأتكم نذير ﴾ أي ألم يأتكم رسول ينذركم ويخوفكم من هذا اليوم الرهيب؟ قال المفسرون: وهذا السؤال زيادة لهم في الإيلام، ليزدادوا حسرة فوق حسرتهم، وعذابا فوق عذابهم ﴿ قالوا بلى قد جآءنا نذير فكذبنا ﴾ أي أجابوا نعم لقد جاءنا رسول منذر، وتلا علينا آيات الله، ولكننا كذبناه وأنكرنا رسالته ﴿ وقلنا ما نزل الله من شيء ﴾ أي وقلنا إمعانا في التكذيب وتماديا في النكير: ما أنزل الله شيئا من الوحي على أحد قال الرازي: هذا اعتراف منهم بعدل الله، وإقرار بأن الله أزاح عللهم ببعثة الرسل الكرام، ولكنهم كذبوا الرسل وقالوا ما نزل الله من شيء ﴿ إن أنتم إلا في ضلال كبير ﴾ هذا من تتمة كلام الكفار أي ما أنتم يا معشر الرسل إلا في بعد عن الحق، وضلال واضح عميق ﴿ وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل ﴾ أي وقال الكفار: لو كانت لنا عقول ننتفع بها أو كنا نسمع سماع طالب للحق، ملتمس للهدى ﴿ ما كنا في أصحاب السعير ﴾ أي ما كنا نستوجب الخلود في جهنم ﴿ فاعترفوا بذنبهم ﴾ أي فأقروا بإجرامهم وتكذيبهم للرسل ﴿ فسحقا لأصحاب السعير ﴾ أي فبعدا وهلاكا لأهل النار قال ابن كثير: عادوا على أنفسهم بالملامة، وندموا حيث لا تنفعهم الندامة، والجملة دعائية أي أبعدهم الله من رحمته وسحقهم سحقا.