. ثم وصف تعالى هؤلاء الزوجات اللواتي سيبدله بهن فقال ﴿ مسلمات ﴾ أي خاضعات مستسلمات لأمر الله تعالى وأمر رسوله ﴿ مؤمنات ﴾ أي مصدقات بالله وبرسوله ﴿ قانتات ﴾ أي مطيعات لما يؤمرن به، مواظبات على الطاعة ﴿ تائبات ﴾ أي تائبات من الذنوب، لا يصررن على معصية ﴿ عابدات ﴾ أي متعبدات لله تعالى يكثرن العبادة، كأن العبادة امتزجت بقلوبهن حتى صارت سجية لهن ﴿ سائحات ﴾ أي مسافرات مهاجرات إلى الله ورسوله ﴿ ثيبات وأبكارا ﴾ أي منهن ثيبات، ومنهن أبكارا قال ابن كثير: قسمهن إلى نوعين ليكون ذلك أشهى إلى النفس، فإن التنوع يبسط النفس، وإنما دخلت واو العطف هنا ﴿ ثيبات وأبكارا ﴾ للتنويع والتقسيم، ولو سقطت لاختل المعنى، لأن الثيوبة والبكارة لا يجتمعان، فتدبر سر القرآن.. ولما وعظ نساء الرسول موعظة خاصة، أتبع ذلك بموعظة عامة للمؤمنين فقال ﴿ يأيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا ﴾ أي يا من صدقتم بالله ورسوله وأسلمتم وجوهكم لله، احفظوا أنفسكم، وصونوا أزواجكم وأولادكم، من نار حامية مستعرة، وذلك بترك المعاصي وفعل الطاعات، وبتأديبهم وتعليمهم قال مجاهد: أي اتقوا الله، وأوصوا أهليكم بتقوى الله وقال الخازن: أي مروهم بالخير، وانهوهم عن الشر، وعلموهم وأدبوهم حتى تقوهم بذلك من النار، والمراد بالأهل النساء والأولاد وما ألحق بهما ﴿ وقودها الناس والحجارة ﴾ أي حطبها الذي تسعر به نار جهنم هو الخلائق والحجارة قال المفسرون: أراد بالحجارة حجارة الكبريت، لأنها أشد الأشياء حرا، وأسرع اتقادا، وعنى بذلك أنها مفرطة الحرارة، تتقد بما ذكر، لا كنار الدنيا تتقد بالحطب ونحوه قال ابن مسعود: حطبها الذي يلقى فيها بنو آدم، وحجارة من كبريت، أنتن من الجيفة ﴿ عليها ملائكة غلاظ شداد ﴾ أي على هذه النار زبانية غلاظ القلوب، لا يرحمون أحدا، مكلفون بتعذيب الكفار قال القرطبي: المراد بالملائكة الزبانية، وهم غلاظ القلوب لا يرحمون إذا استرحموا، لأنهم خلقوا من الغضب، وحبب إليهم عذاب الخلق كما حبب لبني آدم أكل الطعام والشراب ﴿ لا يعصون الله مآ أمرهم ﴾ أي لا يعصون أمر الله بحال من الأحوال ﴿ ويفعلون ما يؤمرون ﴾ أي وينفذون الأوامر بدون إمهال ولا تأخير.
. ثم يقال للكفار عند دخولهم النار ﴿ يأيها الذين كفروا لا تعتذروا اليوم ﴾ أي لا تعتذروا عن ذنوبكم وإجرامكم، فلا ينفعكم اليوم الاعتذار، لأنه قد قدم إليكم الإنذار والإعذار ﴿ إنما تجزون ما كنتم تعملون ﴾ أي إنما تنالون جزاء أعمالكم القبيحة، ولا تظلمون شيئا كقوله تعالى
اليوم تجزى كل نفس بما كسبت لا ظلم اليوم إن الله سريع الحساب
[غافر: 17] ثم دعا المؤمنين إلى التوبة الصادقة الناصحة فقال ﴿ يأيها الذين آمنوا توبوا إلى الله توبة نصوحا ﴾ أي توبوا إلى الله من ذنوبكم توبة صادقة خالصة، بالغة في النصح الغاية القصوى، سئل عمر عن التوبة النصوح فقال: هي أن يتوب ثم لا يعود إلى الذنب، كما لا يعود اللبن إلى الضرع قال العلماء: التوبة النصوح هي التي جمعت ثلاثة شروط: الإقلاع عن الذنب، والندم على ما حدث، والعزم على عدم العودة إليه، وإن كان الحق لآدمي زيد شرط رابع وهو: رد المظالم لأصحابها ﴿ عسى ربكم أن يكفر عنكم سيئاتكم ﴾ أي لعل الله يرحمكم فيمحو عنكم ذنوبكم قال المفسرون: " عسى " من الله واجبة بمنزلة التحقيق، وهذا إطماع من الله لعباده في قبول التوبة، تفضلا منه وتكرما، لأن العظيم إذا وعد وفى، وعادة الملوك أنهم إذا أرادوا فعلا قالوا " عسى " فهو بمنزلة المحقق ﴿ ويدخلكم جنات تجري من تحتها الأنهار ﴾ أي ويدخلكم في الآخرة حدائق وبساتين ناضرة، تجري من تحت قصورها أنهار الجنة ﴿ يوم لا يخزى الله النبي والذين آمنوا معه ﴾ أي يوم لا يفضح الله النبي وأتباعه المؤمنين أمام الكفار، بل يعزهم ويكرمهم قال أبو السعود: وفيه تعريض بمن أخزاهم الله تعالى من أهل الكفار والفسوق ﴿ نورهم يسعى بين أيديهم وبأيمانهم ﴾ أي نور هؤلاء المؤمنين يضيء لهم على الصراط، ويسطع أمامهم وخلفهم وعن أيمانهم وشمائلهم، كإضاءة القمر في سواد الليل ﴿ يقولون ربنآ أتمم لنا نورنا ﴾ أي يدعون الله قائلين: يا ربنا أكمل علينا هذا النور وأدمه لنا، ولا تتركنا نتخبط في الظلمات قال ابن عباس: هذا دعاء المؤمنين حين أطفأ الله نور المنافقين، يدعون ربهم به إشفاقا حتى يصلوا إلى الجنة ﴿ واغفر لنآ ﴾ أي وامح عنا ما فرط من الذنوب ﴿ إنك على كل شيء قدير ﴾ أي إنك أنت القادر على كل شيء، من المغفرة والعقاب، والرحمة والعذاب.. ثم أمر تعالى بجهاد أعداء الله من الكفرة والمنافقين فقال ﴿ يأيها النبي جاهد الكفار والمنافقين ﴾ أي جاهد الكفار بالسيف والسنان، والمنافقين بالحجة والبرهان، لأن المنافقين يظهرون الإيمان، فهم مسلمون ظاهرا فلذلك لم يؤمر عليه الصلاة والسلام بقتالهم ﴿ واغلظ عليهم ﴾ أي وشدد عليهم في الخطاب، ولا تعاملهم بالرأفة واللين، إرعابا وإذلالا لهم، لتنكسر صلابتهم وتلين شكيمتهم ﴿ ومأواهم جهنم ﴾ أي ومستقرهم في الآخرة جهنم ﴿ وبئس المصير ﴾ أي وبئست جهنم مستقرا ومصيرا للمجرمين.