تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

﴿ ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين ﴾ أي لله جل وعلا القوة والغلبة ولمن أعزه وأيده من رسوله والمؤمنين لا لغيرهم، والصيغة تفيد الحصر قال القرطبي: توهموا أن العزة بكثرة الأموال والأتباع، فبين الله أن العزة والمنعة لله ولرسوله وللمؤمنين ﴿ ولكن المنافقين لا يعلمون ﴾ أي ولكن المنافقين لفرط جهلهم وغرورهم لا يعلمون أن العزة والغلبة لأوليائه دون أعدائه ﴿ يأيها الذين آمنوا لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله ﴾ لما ذكر قبائح المنافقين، نهى المؤمنين عن التشبه بهم في الاغترار بالأموال والأولاد والمعنى: لا تشغلكم أيها المؤمنون الأموال والأولاد عن طاعة الله وعبادته، وعن أداء ما افترضه عليكم من الصلاة، والزكاة، والحج، كما شغلت المنافقين قال أبو حيان: أي لا تشغلكم أموالكم بالسعي في نمائها، والتلذذ بجمعها، ولا أولادكم بسروركم بهم، وبالنظر في مصالحهم، عن ذكر الله وهو عام في الصلاة، والتسبيح، والتحميد، وسائر الطاعات ﴿ ومن يفعل ذلك فأولئك هم الخاسرون ﴾ أي ومن تشغله الدنيا عن طاعة الله وعبادته، فأولئك هم الكاملون في الخسران، حيث آثروا الحقير الفاني على العظيم الباقي، وفضلوا العاجل على الآجل ﴿ وأنفقوا من ما رزقناكم ﴾ أي وأنفقوا في مرضاة الله، من بعض ما أعطيناكم وتفضلنا به عليكم من الأموال ﴿ من قبل أن يأتي أحدكم الموت ﴾ أي قبل أن يحل الموت بالإنسان، ويصبح في حالة الاحتضار ﴿ فيقول رب لولا أخرتني إلى أجل قريب ﴾ أي فيقول عند تيقنه الموت، يا رب هلا أمهلتني وأخرت موتي إلى زمن قليل!! ﴿ فأصدق وأكن من الصالحين ﴾ أي فأتصدق وأحسن عملي، وأصبح تقيا صالحا قال ابن كثير: كل مفرط يندم عند الاحتضار، ويسأل طول المدة ليستدرك ما فات، ولكن هيهات ﴿ ولن يؤخر الله نفسا إذا جآء أجلهآ ﴾ أي ولن يمهل الله أحدا أيا كان إذا انتهى أجله، ولن يزيد في عمره، وفيه تحريض على المبادرة بأعمال الطاعات، حذرا أن يجيء الأجل وقد فرط ولم يستعد للقاء ربه ﴿ والله خبير بما تعملون ﴾ أي مطلع وعالم بأعمالكم من خير أو شر، ومجازيكم عليها.

البلاغة: تضمنت السورة الكريمة وجوها من الفصاحة والبيان نوجزها فيما يلي:

1- التأكيد بالقسم وإن واللام ﴿ والله يشهد إن المنافقين لكاذبون ﴾ زيادة في التقرير والبيان.

2- الجملة الاعتراضية ﴿ والله يعلم إنك لرسوله ﴾ جاءت معترضة بين الشرط وجوابه لبيان أنهم ما قالوا ذلك عن اعتقاد، ولدفع توهم تكذيبهم في دعواهم الشهادة بالرسالة، والأصل ﴿ إذا جآءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله.. والله يشهد إن المنافقين لكاذبون ﴾ فجاءت الجملة اعتراضية بينهما.

3- الاستعارة ﴿ اتخذوا أيمانهم جنة ﴾ فإن أصل الجنة ما يستتر به ويتقى به المحذور كالترس، ثم استعمل هنا استعارة لأنهم كانوا يظهرون الإسلام ليعصموا دماءهم وأموالهم.

4- الطباق بين ﴿ آمنوا ثم كفروا ﴾ وبين ﴿ الأعز منها الأذل ﴾ وهو من المحسنات البديعية.

5- التشبيه المرسل المجمل ﴿ وإن يقولوا تسمع لقولهم كأنهم خشب مسندة ﴾ وهو من روائع التشبيه.

6- طباق السلب ﴿ سوآء عليهم أستغفرت لهم أم لم تستغفر لهم ﴾.

7- الجملة الدعائية ﴿ قاتلهم الله ﴾ وهي دعاء عليهم باللعنة والخزي والهلاك.

8- توافق الفواصل مراعاة لرءوس الآيات، وهو كثير في القرآن يزيد في رونق الكلام.

تنبيه: النفاق لم يكن بمكة وإنما كان بها الكفر، ولم يظهر النفاق إلا بالمدينة المنورة حين عز الإسلام وكثر أنصاره، وقد كان المنافقون يظهرون الإسلام لصون دمائهم وأموالهم كما قال الشاعر:

وما انتسبوا إلى الإسلام إلا

لصون دمائهم أن لا تسالا

فائدة: العزة غير الكبر، ولا يحل للمسلم أن يذل نفسه، فالعزة معرفة الإنسان بحقيقة نفسه، والكبر جهل الإنسان بنفسه، قيل للحسن بن علي رضي الله عنهما: إن الناس يزعمون أن فيك كبرا وتيها فقال: ليس بتيه ولكنه عزة المسلم ثم تلا الآية ﴿ ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين ﴾.

صفوة التفاسير · الصفحة ٧٣٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

صفوة التفاسيرص ٧٣٦