. وروي
" عن أسماء بنت أبي بكر أنها قالت: قدمت أمي - وهي مشركة - في عهد قريش حين عاهدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم - تعني في صلح الحديبية - فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت يا رسول الله: إن أمي قدمت وهي راغبة أفأصلها؟ قال: نعم صلي أمك "
، فأنزل الله ﴿ لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ﴾ الآية ﴿ إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم وظاهروا على إخراجكم أن تولوهم ﴾ أي إنما ينهاكم الله عن صداقة ومودة الذين ناصبوكم العداوة، وقاتلوكم لأجل دينكم، وأعانوا أعداءكم على إخراجكم من دياركم، أن تتولوهم فتتخذوهم أولياء وأنصارا وأحبابا ﴿ ومن يتولهم فأولئك هم الظالمون ﴾ أي ومن يصادق أعداء الله ويجعلهم أنصارا وأحبابا، فأولئك هم الظالمون لأنفسهم بتعريضها للعذاب ﴿ يأيها الذين آمنوا إذا جآءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن ﴾ أي اختبروهن لتعلموا صدق إيمانهن قال المفسرون:
" كان صلح الحديبية الذي جرى بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وكفار مكة قد تضمن أن من أتى أهل مكة من المسلمين لم يرد إليهم، ومن أتى المسلمين من أهل مكة - يعني المشركين - رد إليهم، فجاءت " أم كلثوم " بنت عقبة بن أبي معيط مهاجرة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فخرج في أثرها أخواها " عمارة " و " الوليد " فقالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: ردها علينا بالشرط، فقال صلى الله عليه وسلم: كان الشرط في الرجال لا في النساء "
، فأنزل الله الآية، قال ابن عباس: كانت المرأة تستحلف أنها ما هاجرت بغضا لزوجها، ولا طمعا في الدنيا، وأنها ما خرجت إلا حبا لله ورسوله، ورغبة في دين الإسلام ﴿ الله أعلم بإيمانهن ﴾ أي الله أعلم بصدقهن في دعوى الإيمان، لأنه تعالى المطلع على قلوبهن، والجملة اعتراضية لبيان أن هذا الامتحان بالنسبة للمؤمنين، وإلا فالله عالم بالسرائر لا تخفى عليه خافية ﴿ فإن علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكفار ﴾ أي فإن تحققتم بإيمانهن بعد امتحانهن فلا تردوهن إلى أزواجهن الكفار ﴿ لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن ﴾ أي لا تحل المؤمنة للمشرك، ولا يحل للمؤمن نكاح المشركة قال الألوسي: والتكرير للتأكيد والمبالغة في الحرمة وقطع العلاقة بين المؤمنة والمشرك ﴿ وآتوهم مآ أنفقوا ﴾ أي أعطوا أزواجهن الكفار ما أنفقوا عليهن من المهور قال في البحر: أمر أن يعطى الزوج الكافر ما أنفق على زوجته إذا أسلمت، فلا يجمع عليه خسران الزوجة والمالية ﴿ ولا جناح عليكم أن تنكحوهن إذآ آتيتموهن أجورهن ﴾ أي ولا حرج ولا إثم عليكم أن تتزوجوا هؤلاء المهاجرات إذا دفعتم لهن مهورهن قال الخازن: أباح الله للمسلمين نكاح المهاجرات من دار الحرب إلى دار الإسلام وإن كان لهن أزواج كفار - لأن الإسلام فرق بينهن وبين أزواجهن الكفار، وتقع الفرقة بانقضاء عدتها ﴿ ولا تمسكوا بعصم الكوافر ﴾ أي ولا تتمسكوا بعقود زوجاتكم الكافرات، فليس بينكم وبينهن عصمة ولا علاقة زوجية قال القرطبي: المراد بالعصمة هنا النكاح، يقول: من كانت له امرأة كافرة بمكة فلا يعتد بها فليست امرأته، فقد انقطعت عصمتها لاختلاف الدارين، ﴿ واسألوا مآ أنفقتم وليسألوا مآ أنفقوا ﴾ أي اطلبوا يا أيها المؤمنون ما أنفقتم من المهر إذا لحقت أزواجكم بالكفار، وليطلبوا هم - أي المشركون - ما أنفقوا على أزواجهم المهاجرات قال ابن العربي: كان من ذهب من المسلمات مرتدات إلى الكفار يقال للكفار: هاتوا مهرها، ويقال للمسلمين إذا جاءت إحدى الكافرات مسلمة مهاجرة: ردوا إلى الكفار مهرها، وكان ذلك نصفا وعدلا بين الحالتين ﴿ ذلكم حكم الله يحكم بينكم ﴾ أي ذلكم هو شرع الله وحكمه العادل بينكم وبين أعدائكم ﴿ والله عليم حكيم ﴾ أي عليم بمصالح العباد، حكيم في تشريعه لهم، يشرع ما تقتضيه الحكمة البالغة ﴿ وإن فاتكم شيء من أزواجكم إلى الكفار ﴾ أي وإن فرت زوجة أحد من المسلمين ولحقت بالكفار ﴿ فعاقبتم ﴾ أي فغزوتم وغنمتم وأصبتم من الكفار غنيمة ﴿ فآتوا الذين ذهبت أزواجهم مثل مآ أنفقوا ﴾ أي فأعطوا لم فرت زوجته، مثل ما أنفق عليها من المهر، من الغنيمة التي بأيديكم قال ابن عباس: يعني إن لحقت امرأة رجل من المهاجرين بالكفار، أمر له رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعطى مثل ما أنفق من الغنيمة قال القرطبي: لما نزلت الآية السابقة ﴿ واسألوا مآ أنفقتم وليسألوا مآ أنفقوا ﴾ قال المسلمون: رضينا بما حكم الله، وكتبوا إلى المشركين فامتنعوا فنزلت هذه الآية ﴿ واتقوا الله ﴾ أي وراقبوا الله في أقوالكم وأفعالكم، واحذروا عذابه وانتقامه إن خالفتم أوامره ﴿ الذي أنتم به مؤمنون ﴾ أي الذي آمنتم وصدقتم بوجوده، فإن من مستلزمات الإيمان تقوى الرحمن.