ودوا لو تكفرون كما كفروا فتكونون سوآء
[النساء: 89] ﴿ لن تنفعكم أرحامكم ولا أولادكم ﴾ أي لن تفيدكم قراباتكم ولا أولادكم الذين توالون الكفار من أجلهم يوم القيامة شيئا، فلن يجلبوا لكم نفعا، ولن يدفعوا عنكم ضرا قال الصاوي: هذا تخطئة لحاطب في رأيه كأنه قال: لا تحملكم قراباتكم وأولادكم الذين بمكة، على خيانة رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين، ونقل أخبارهم وموالاة أعدائهم، فإنه لا تنفعكم الأرحام ولا الأولاد الذين عصيتم الله من أجلهم ﴿ يوم القيامة يفصل بينكم ﴾ أي في ذلك اليوم العصيب، يحكم الله بين المؤمنين والكافرين، فيدخل المؤمنين جنات النعيم، ويدخل المجرمين دركات الجحيم ﴿ والله بما تعملون بصير ﴾ أي مطلع على جميع أعمالكم فيجازيكم عليها ﴿ قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه ﴾ أي قد كان لكم يا معشر المؤمنين قدوة حسنة في الخليل إبراهيم ومن معه من المؤمنين ﴿ إذ قالوا لقومهم إنا برءآؤا منكم ومما تعبدون من دون الله ﴾ أي حين قالوا للكفار إننا متبرءون منكم ومن الأصنام التي تعبدونها من دون الله ﴿ كفرنا بكم ﴾ أي كفرنا بدينكم وطريقتكم ﴿ وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضآء أبدا ﴾ أي وظهرت بيننا وبينكم العداوة والبغضاء إلى الأبد ما دمتم على هذه الحالة ﴿ حتى تؤمنوا بالله وحده ﴾ أي إلى أن توحدوا الله فتعبدوه وحده، وتتركوا ما أنتم عليه من الشرك والأوثان قال المفسرون: أمر الله المؤمنين أن يقتدوا بإبراهيم الخليل عليه السلام وبالذين معه في عداوة المشركين والتبرؤ منهم، لأن الإيمان يقتضي مقاطعة أعداء الله وبغضهم ﴿ إلا قول إبراهيم لأبيه لأستغفرن لك ﴾ أي إلا في استغفار إبراهيم لأبيه فلا تقتدوا به، فإنه إنما استغفر لأبيه المشرك رجاء إسلامة
فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه
[التوبة: 114] ﴿ ومآ أملك لك من الله من شيء ﴾ هذا من تتمة كلام إبراهيم لأبيه أي ما أدفع عنك من عذاب الله شيئا إن أشركت به، ولا أملك لك شيئا غير الاستغفار ﴿ ربنا عليك توكلنا ﴾ أي عليك اعتمدنا في جميع أمورنا ﴿ وإليك أنبنا ﴾ أي وإليك رجعنا وتبنا ﴿ وإليك المصير ﴾ أي وإليك المرجع والمعاد في الدار الآخرة قال المفسرون: إن إبراهيم وعد أباه بالاستغفار كما في سورة مريم قال:
سأستغفر لك ربي إنه كان بي حفيا
[مريم: 47] واستغفر له بالقول فعلا كما في سورة الشعراء
واغفر لأبي إنه كان من الضآلين
[الآية: 86] وكل هذا كان رجاء إسلامه، ثم رجع عن ذلك لما تيقن كفره كما في سورة التوبة
وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدهآ إياه فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه
[التوبة: 114] ﴿ ربنا لا تجعلنا فتنة للذين كفروا ﴾ أي لا تسلطهم علينا فيفتنونا عن ديننا بعذاب لا نطيقه وقال مجاهد: أي لا تعذبنا بأيديهم ولا بعذاب من عندك فيقولوا: لو كان هؤلاء على الحق لما أصابهم ذلك ﴿ واغفر لنا ﴾ أي اغفر لنا ما فرط من الذنوب ﴿ ربنآ إنك أنت العزيز الحكيم ﴾ أي أنت يا الله الغالب الذي لا يذل من التجأ إليه، الحكيم الذي لا يفعل إلا ما فيه الخير والمصلحة، وتكرار النداء للمبالغة في التضرع والجؤار. ﴿ لقد كان لكم فيهم أسوة حسنة ﴾ أي لقد كان لكم في إبراهيم ومن معه من المؤمنين قدوة حسنة في التبرؤ من الكفار قال أبو السعود: والتكرير للمبالغة في الحث على الاقتداء به عليه السلام ولذلك صدر بالقسم ﴿ لمن كان يرجو الله واليوم الآخر ﴾ أي لمن كان يرجو ثواب الله تعالى، ويخاف عقابه في الآخرة ﴿ ومن يتول فإن الله هو الغني الحميد ﴾ أي ومن يعرض عن الإيمان وطاعة الرحمن، فإن الله مستغن عن أمثاله وعن الخلق أجمعين، وهو المحمود في ذاته وصفاته ﴿ عسى الله أن يجعل بينكم وبين الذين عاديتم منهم مودة ﴾ أي لعل الله جل وعلا يجعل بينكم وبين الذين عاديتموهم من أقاربكم المشركين محبة ومودة، محبة بعد البغضاء، وألفة بعد الشحناء قال في التسهيل: لما أمر الله المسلمين بعداوة الكفار ومقاطعتهم، على ما كان بينهم وبين الكفار من القرابة والمودة، وعلم الله صدقهم آنسهم بهذه الآية، ووعدهم بأن يجعل بينهم مودة أي محبة، وهذه المودة كملت في فتح مكة فإنه أسلم حينئذ سائر قريش، وجمع الله الشمل بعد التفرق وقال الرازي: وعسى وعد من الله تعالى وقد حقق تعالى ما وعدهم به من اجتماع كفار مكة بالمسلمين، ومخالطتهم لهم حين فتح مكة ﴿ والله قدير ﴾ أي قادر لا يعجزه شيء، يقدر على تقليب القلوب وتغيير الأحوال ﴿ والله غفور رحيم ﴾ أي مبالغ في المغفرة والرحمة، لمن تاب إليه وأناب ﴿ لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم ﴾ أي لا ينهاكم عن البر بهؤلاء الذين لم يحاربوكم لأجل دينكم، ولم يخرجوكم من أوطانكم كالنساء والصبيان، ولفظة ﴿ أن تبروهم ﴾ في موضع جر ب " عن " أي لا ينهاكم جل وعلا عن البر والإحسان لهؤلاء ﴿ وتقسطوا إليهم ﴾ أي تعدلوا معهم ﴿ إن الله يحب المقسطين ﴾ أي يحب العادلين في جميع أمورهم وأحكامهم قال ابن عباس: نزلت في خزاعة، وذلك أنهم صالحوا رسول الله صلى الله عليه وسلم على ألا يقاتلوه ولا يعينوا عليه أحدا، فرخص الله في برهم والإحسان إليهم.