تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

" سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن قوله تعالى ﴿ إنآ أنشأناهن إنشآء * فجعلناهن أبكارا * عربا أترابا ﴾ فقال يا أم سلمة: هن اللواتي قبضن في الدنيا عجائز، شمطا عمشا، رمصا، جعلهن الله بعد الكبر أترابا على ميلاد واحد في الاستواء "

وفي الحديث

" أن امرأة عجوزا جاءت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت يا رسول الله: أدع الله أن يدخلني الجنة، فقال: يا أم فلان إن الجنة لا تدخلها عجوز، فولت تبكي، فقال: أخبروها أنها لا تدخلها وهي عجوز، فإن الله تعالى يقول ﴿ إنآ أنشأناهن إنشآء * فجعلناهن أبكارا ﴾ "

﴿ لأصحاب اليمين ﴾ أي أنشأنا هؤلاء النساء الأبكار لأصحاب اليمين ليستمتعوا بهن في الجنة، ثم قال تعالى ﴿ ثلة من الأولين * وثلة من الآخرين ﴾ أي هم جماعة من الأولين من الأمم الماضية، وجماعة من المتأخرين من أمة محمد صلى الله عليه وسلم، قال في البحر: ولا تنافي بين هذه الآية ﴿ وثلة من الآخرين ﴾ وبين الآية التي سبقتها وهي قوله ﴿ وقليل من الآخرين ﴾ لأن الثانية في السابقين فلذلك قال ﴿ وقليل من الآخرين ﴾ وهذه في أصحاب اليمين ولذلك قال ﴿ وثلة من الآخرين ﴾.. ثم شرع تعالى في بيان الصنف الثالث وهم أهل النار فقال ﴿ وأصحاب الشمال مآ أصحاب الشمال ﴾ استفهام بمعنى التهويل والتفظيع والتعجيب من حالهم أي وأصحاب الشمال - وهم الذين يعطون كتبهم بشمائلهم - ما أصحاب الشمال؟ أي ما حالهم وكيف مآلهم؟ ثم فصل تعالى حالهم فقال ﴿ في سموم وحميم ﴾ أي في ريح حارة من النار تنفذ في المسام، وماء شديد الحرارة ﴿ وظل من يحموم ﴾ أي وفي ظل من دخان أسود شديد السواد ﴿ لا بارد ﴾ أي ليس هذا الظل باردا يستروح به الإنسان من شدة الحر ﴿ ولا كريم ﴾ أي وليس حسن المنظر يسر به من يستفيء بظله قال الخازن: إن فائدة الظل ترجع إلى أمرين: أحدهما: دفع الحر، والثاني: حسن المنظر وكون الإنسان فيه مكرما، وظل أهل النار بخلاف هذا لأنهم في ظل من دخان أسود حار.. ثم بين تعالى سبب استحقاقهم ذلك فقال ﴿ إنهم كانوا قبل ذلك مترفين ﴾ أي لأنهم كانوا في الدنيا منعمين، مقبلين على الشهوات والملذات ﴿ وكانوا يصرون على الحنث العظيم ﴾ أي وكانوا يداومون على الذنب العظيم وهو الشرك بالله قال المفسرون: لفظ الإصرار يدل على المداومة على المعصية، والحنث هو الذنب الكبير والمراد به هنا الكفر بالله كما قاله ابن عباس ﴿ وكانوا يقولون أإذا متنا وكنا ترابا وعظاما أإنا لمبعوثون ﴾ أي هل سنبعث بعد أن تصبح أجسادنا ترابا وعظاما نخرة؟ وهذا استبعاد منهم لأمر البعث وتكذيب له ﴿ أو آبآؤنا الأولون ﴾؟ تأكيد للإنكار ومبالغة فيه أي وهل سيبعث آباؤنا الأوائل بعد أن بليت أجسامهم وتفتتت عظامهم؟ ﴿ قل إن الأولين والآخرين * لمجموعون إلى ميقات يوم معلوم ﴾ أي قل لهم يا محمد: إن الخلائق جميعا السابقين منهم واللاحقين، سيجمعون ويحشرون ليوم الحساب الذي حدده الله بوقت معلوم لا يتقدم ولا يتأخر

ذلك يوم مجموع له الناس وذلك يوم مشهود * وما نؤخره إلا لأجل معدود

[هود: 103-104] ﴿ ثم إنكم أيها الضآلون المكذبون * لأكلون من شجر من زقوم ﴾ أي ثم إنكم يا معشر كفار مكة، الضالون عن الهدى، المكذبون بالبعث والنشور، لآكلون من شجر الزقوم الذي ينبت في أصل الجحيم ﴿ فمالئون منها البطون ﴾ أي فمالئون بطونكم من تلك الشجرة الخبيثة لغلبة الجوع عليكم ﴿ فشاربون عليه من الحميم ﴾ أي فشاربون عليه الماء الحار الذي اشتد غليانه ﴿ فشاربون شرب الهيم ﴾ أي فشاربون شرب الإبل العطاش قال ابن عباس: الهيم الإبل العطاش التي لا تروى لداء يصيبها وقال أبو السعود: إنه يسلط على أهل النار من الجوع ما يضطرهم إلى أكل الزقوم الذي هو كالمهل، فإذا ملأوا منه بطونهم - وهو في غاية الحرارة والمرارة - سلط عليهم من العطش ما يضطرهم إلى شرب الحميم الذي يقطع أمعاءهم، فيشربونه شرب الهيم وهي الإبل التي بها الهيام وهو داء يصيبها فتشرب ولا تروى ﴿ هذا نزلهم يوم الدين ﴾ أي هذه ضيافتهم وكرامتهم يوم القيامة، وفيه تهكم بهم قال الصاوي: والنزل في الأصل ما يهيأ للضيف أول قدومه من التحف والكرامة، فتسمية الزقوم نزلا تهكم بهم.

صفوة التفاسير · الصفحة ٦٩٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

صفوة التفاسيرص ٦٩٦