" إنك لتنظر إلى الطير في الجنة فتشتهيه فيخر بين يديك مشويا "
قال الرازي: وقدم الفاكهة على اللحم لأن أهل الجنة يأكلون لا عن جوع بل للتفكه، فميلهم إلى الفاكهة أكثر كحال الشبعان في الدنيا فلذلك قدمها ﴿ وحور عين * كأمثال اللؤلؤ المكنون ﴾ أي ولهم مع ذلك النعيم نساء من الحور العين، الواسعات العيون، في غاية الجمال والبهاء، كأنهن اللؤلؤ في الصفاء والنقاء، الذي لم تمسه الأيدي قال في التسهيل: شبههن باللؤلؤ في البياض، ووصفه بالمكنون لأنه أبعد عن تغيير حسنه، وحين
" سألت " أم سلمة " رسول الله صلى الله عليه وسلم عن هذا التشبيه قال " صفاؤهن كصفاء الدر في الأصداف الذي لم تمسه الأيدي "
﴿ جزآء بما كانوا يعملون ﴾ أي جعلنا لهم ذلك كله جزاء لعملهم الصالح في الدنيا.. ثم أخبر تعالى عن كمال نعيمهم في الجنة فقال ﴿ لا يسمعون فيها لغوا ولا تأثيما ﴾ أي لا يطرق آذانهم فاحش الكلام، ولا يلحقهم إثم مما يسمعون قال ابن عباس: لا يسمعون باطلا ولا كذبا ﴿ إلا قيلا سلاما سلاما ﴾ أي إلا قول بعضهم لبعض سلاما سلاما، يحيي به بعضهم بعضا ويفشون السلام فيما بينهم قال في البحر: والظاهر أنه استثناء منقطع لأنه لم يندرج في اللغو ولا التأثيم وقال أبو السعود: والمعنى أنهم يفشون السلام فيسلمون سلاما بعد سلام، أو لا يسمع كل منهم إلا سلام الآخر بدءا أو ردا.
. ثم شرع في تفصيل أحوال الصنف الثاني وهم أصحاب اليمين فقال ﴿ وأصحاب اليمين مآ أصحاب اليمين ﴾؟ استفهام للتعظيم والتعجيب من حالهم أي ما أدراك من هم، وما هي حالهم؟ ﴿ في سدر مخضود ﴾ أي هم تحت أشجار النبق الذي قطع شوكه قال المفسرون: والسدر: شجر النبق، والمخضود الذي خضد أي قطع شوكه، وفي الحديث
" أن أعرابيا جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله: إن الله تعالى ذكر في الجنة شجرة تؤذي صاحبها، فقال: وما هي؟ قال: السدر فإن له شوكا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أليس الله يقول ﴿ في سدر مخضود ﴾؟ خضد الله شوكه فجعل مكان كل شوكة ثمرة، وإن الثمرة من ثمره تفتق عن اثنين وسبعين لونا من الطعام، ما فيها لون يشبه الآخر "
﴿ وطلح منضود ﴾ هو شجر الموز ومعنى ﴿ منضود ﴾ أي متراكم قد نضد بالحمل من أسفله إلى أعلاه ﴿ وظل ممدود ﴾ أي وظل دائم باق لا يزول ولا تنسخه الشمس، لأن الجنة ظل كلها لا شمس فيها
لا يرون فيها شمسا ولا زمهريرا
[الإنسان: 13] وفي الحديث " إن في الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها مائة عام لا يقطعها واقرءوا إن شئتم ﴿ وظل ممدود ﴾ وقال الرازي: ومعنى ﴿ ممدود ﴾ أي لا زوال له فهو دائم
أكلها دآئم وظلها
[الرعد: 35] أي دائم، والظل ليس ظل الأشجار، بل ظل يخلقه الله تعالى ﴿ ومآء مسكوب ﴾ أي وماء جار دائما لا ينقطع، يجري في غير أخدود قال القرطبي: كانت العرب أصحاب بادية، والأنهار في بلادهم عزيزة، لا يصلون إلىالماء إلا بالدلو والرشاء، فوعدوا بالجنة بأسباب النزهة وهي الأشجار وظلالها، والمياه والأنهار وجريانها ﴿ وفاكهة كثيرة * لا مقطوعة ولا ممنوعة ﴾ أي وفاكهة كثيرة متنوعة، ليست بالقليلة العزيزة كما كانت في بلادهم، لا تنقطع كما تنقطع ثمار الدنيا في الشتاء، وليست ممنوعة عن أحد، قال ابن عباس: لا تنقطع إذا جنيت، ولا تمتنع من أحد إذا أراد أخذها وفي الحديث
" ما قطعت ثمرة من ثمار الجنة إلا عاد مكانها أخرى "
﴿ وفرش مرفوعة ﴾ أي عالية وطيئة ناعمة وفي الحديث
" ارتفاعها كما بين السماء والأرض، ومسيرة ما بينهما خمس مائة عام "
قال الألوسي: ولا تستبعد هذا من حيث العروج والنزول، فالعالم عالم آخر فوق طور عقلك تنخفض للمؤمن إذا أراد الجلوس عليها ثم ترتفع به ، والله على كل شيء قدير ﴿ إنآ أنشأناهن إنشآء ﴾ أي خلقنا نساء الجنة خلقا جديدا، وأبدعناهن إبداعا عجيبا، قال في التسهيل: ومعنى إنشاء النساء أن الله تعالى يخلقهن في الجنة خلقا آخر في غاية الحسن بخلاف الدنيا، فالعجوز ترجع شابة، والقبيحة ترجع جميلة قال ابن عباس: يعني الآدميات العجائز الشمط خلقهن الله بعد الكبر والهرم خلقا آخر ﴿ فجعلناهن أبكارا ﴾ أي فجعلناهن عذارى، كلما أتاهن أزواجهن وجدوهن أبكارا ﴿ عربا ﴾ جمع عروب وهي المتحببة لزوجها العاشقة له قال مجاهد: هن العاشقات لأزواجهن المتحببات لهن اللواتي يشتهين أزواجهن ﴿ أترابا ﴾ أي مستويات في السن مع أزواجهن، في سن أبناء ثلاث وثلاثين، عن أم سلمة رضي الله عنها قالت: