تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولا يشفعون إلا لمن ارتضى

[الأنبياء: 28] قال ابن كثير: فإذا كان هذا في حق الملائكة المقربين، فكيف ترجون أيها الجاهلون شفاعة الأصنام والأنداد عند الله تعالى؟ ثم أخبر تعالى عن ضلالات المشركين فقال ﴿ إن الذين لا يؤمنون بالآخرة ﴾ أي لا يصدقون بالبعث والحساب ﴿ ليسمون الملائكة تسمية الأنثى ﴾ أي ليزعمون أنهم إناث وأنهم بنات الله ﴿ وما لهم به من علم ﴾ أي لا علم لهم بما يقولون أصلا، لأنهم لم يشاهدوا خلق الملائكة، ولا جاءهم عن الله حجة أو برهان ﴿ إن يتبعون إلا الظن ﴾ أي ما يتبعون في هذه الأقوال الباطلة إلا الظنون والأوهام ﴿ وإن الظن لا يغني من الحق شيئا ﴾ أي وإن الظن لا يجدي شيئا، ولا يقوم أبدا مقام الحق ﴿ فأعرض عن من تولى عن ذكرنا ﴾ أي فأعرض يا محمد عن هؤلاء المشركين الذين استنكفوا عن الإيمان والقرآن ﴿ ولم يرد إلا الحياة الدنيا ﴾ أي وليس له هم إلا الدنيا وما فيها من النعيم الزائل، والمتعة الفانية قال أبو السعود: والمراد النهي عن دعوة المعرض عن كلام الله وعدم الاعتناء بشأنه، فإن من أعرض عما ذكر، وانهمك في الدنيا بحيث صارت منتهى همته وقصارى سعيه، لا تزيده الدعوة إلا عنادا وإصرارا على الباطل ﴿ ذلك مبلغهم من العلم ﴾ أي ذلك نهاية علمهم وغاية إدراكهم أن آثروا الدنيا على الآخرة ﴿ إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بمن اهتدى ﴾ أي هو عالم بالفريقين: الضالين والمهتدين ويجازيهم بأعمالهم ﴿ ولله ما في السموت وما في الأرض ﴾ أي له كل ما في الكون خلقا وملكا وتصرفا ليس لأحد من ذلك شيء أصلا ﴿ ليجزي الذين أساءوا بما عملوا ﴾ أي ليجازي المسيء بإساءته ﴿ ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى ﴾ أي وليجازي المحسن بالجنة جزاء إحسانه قال ابن الجوزي: والآية إخبار عن قدرته وسعة ملكه، وهو كلام معترض بين الآية الأولى وبين قوله ﴿ ليجزي الذين أساءوا ﴾ لأنه إذا كان أعلم بالمسيء وبالمحسن جازى كلا بما يستحقه، وإنما يقدر على مجازاة الفريقين إذا كان واسع الملك.

. ثم ذكر تعالى صفات المتقين المحسنين فقال ﴿ الذين يجتنبون كبائر الإثم ﴾ أي يبتعدون عن كبائر الذنوب كالشرك والقتل وأكل مال اليتيم ﴿ والفواحش ﴾ أي ويبتعدون عن الفواحش جمع فاحشة وهي ما تناهى قبحها عقلا وشرعا كالزنى ونكاح زوجة الأب لقوله تعالى

ولا تقربوا الزنى إنه كان فاحشة

[الإسراء: 32] وقوله

ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النسآء إلا ما قد سلف إنه كان فاحشة ومقتا وسآء سبيلا

[النساء: 22] ﴿ إلا اللمم ﴾ أي إلا ما قل وصغر من الذنوب قال القرطبي: وهي الصغائر التي لا يسلم من الوقوع فيها إلا من عصمه الله كالقبلة والغمزة والنظرة وفي الحديث

" إن الله عز وجل كتب على ابن آدم حظه من الزنى، أدرك ذلك لا محالة، فزنى العينين النظر، وزنى اللسان النطق، والنفس تتمنى وتشتهي، والفرج يصدق ذلك أو يكذبه "

فإذا اجتنب العبد كبائر الذنوب غفر الله بفضله وكرمه الصغائر لقوله تعالى

إن تجتنبوا كبآئر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم

[النساء: 31] يعني الصغائر ﴿ إن ربك واسع المغفرة ﴾ أي هو تعالى غفار الذنوب ستار العيوب، يغفر لمن فعل ذلك ثم تاب قال ابن كثير: أي رحمته وسعت كل شيء، ومغفرته تسع الذنوب كلها لمن تاب منها قال البيضاوي: ولعله عقب به وعيد المسيئين ووعد المحسنين، لئلا ييأس صاحب الكبيرة من رحمته، ولا يتوهم وجوب العقاب على الله تعالى ﴿ هو أعلم بكم إذ أنشأكم من الأرض ﴾ أي هو جل وعلا أعلم بأحوالكم منكم قبل أن يخلقكم، ومن حين أن خلق أباكم آدم من التراب ﴿ وإذ أنتم أجنة في بطون أمهاتكم ﴾ أي ومن حين أن كنتم مستترين في أرحام أمهاتكم، فهو تعالى يعلم التقي والشقي، والمؤمن والكافر، والبر والفاجر، علم ما تفعلون وإلى ماذا تصيرون ﴿ فلا تزكوا أنفسكم ﴾ أي لا تمدحوها على سبيل الإعجاب، ولا تشهدوا لها بالكمال والتقى، فإن النفس خسيسة إذا مدحت اغترت وتكبرت قال أبو حيان: أي لا تنسبوها إلى الطهارة عن المعاصي، ولا تثنوا عليها، فقد علم الله منكم الزكي والتقي قبل إخراجكم من صلب آدم، وقبل إخراجكم من بطون أمهاتكم ﴿ هو أعلم بمن اتقى ﴾ أي هو تعالى العالم بمن أخلص العمل، واتقى ربه في السر والعلن.

صفوة التفاسير · الصفحة ٦٨١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

صفوة التفاسيرص ٦٨١