" ثم صعد بي إلى السماء السابعة، ورفعت إلي سدرة المنتهى، فإذا نبقها - أي ثمرها - مثل قلال هجر، وإذا أوراقها كآذان الفيلة.. "
﴿ عندها جنة المأوى ﴾ أي عند سدرة المنتهى الجنة التي تأوي إليها الملائكة وأرواح الشهداء والمتقين ﴿ إذ يغشى السدرة ما يغشى ﴾ أي رآه وقت ما يغشى السدرة ما يغشى من العجائب قال الحسن: غشيها نور رب العالمين فاستنارت وقال ابن مسعود: غشيها فراش من ذهب وفي الحديث
" لما غشيها من أمر الله ما غشيها تغيرت، فما أحد من خلق الله يستطيع أن يصفها من حسنها "
قال المفسرون: رأى عليه السلام شجرة سدرة المنتهى وقد غشيتها سبحات أنوار الله عز وجل، حتى ما يستطيع أحد أن ينظر إليها، وغشيتها الملائكة أمثال الطيور يعبدون الله عندها، يجتمعون حولها مسبحين وزائرين كما يزور الناس الكعبة وفي الحديث
" رأيت السدرة يغشاها فراش من ذهب، ورأيت على كل ورقة ملكا قائما يسبح الله تعالى "
﴿ ما زاغ البصر ﴾ أي ما مال بصر النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك المقام وفي تلك الحضرة يمينا وشمالا ﴿ وما طغى ﴾ أي وما جاوز الحد الذي رأى قال القرطبي: أي لم يمد بصره إلى غير ما رأى من الآيات، وهذا وصف أدب النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك المقام إذ لم يلتفت يمينا ولا شمالا وقال الخازن: لما تجلى رب العزة وظهر نوره، ثبت صلى الله عليه وسلم في ذلك المقام العظيم الذي تحار فيه العقول، وتزل فيه الأقدام، وتميل فيه الأبصار ﴿ لقد رأى من آيات ربه الكبرى ﴾ أي والله لقد رأى محمد - ليلة المعراج - عجائب ملكوت الله، رأى سدرة المنتهى، والبيت المعمور، والجنة والنار، ورأى جبريل في صورته التي يكون عليها في السماوات له ستمائة جناح، ورأى رفرفا أخضر من الجنة قد سد الأفق، وغير ذلك من الآيات العظام قال الفخر: وفي الآية دليل على أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى ليلة المعراج آيات الله ولم ير الله كما قال البعض، ووجهه أن الله ختم قصة المعراج برؤية الآيات، وقال في الإسراء
لنريه من آياتنآ
[الإسراء: 1] ولو كان رأى ربه لكان ذلك أعظم ما يمكن ولأخبر تعالى به ﴿ أفرأيتم اللات والعزى * ومناة الثالثة الأخرى ﴾ أي أخبرونا يا معشر الكفار عن هذه الآلهة التي تعبدونها " اللات والعزة ومناة " هل لها من القدرة والعظمة التي وصف بها رب العزة شيء حتى زعمتم أنها آلهة؟ قال الخازن: هذه أسماء أصنام اتخذوها آلهة يعبدونها، واشتقوا لها أسماء من أسماء الله عز وجل فقالوا من الله اللات، ومن العزيز العزى، وكانت اللات بالطائف، والعزى بغطفان وقد حطمها خالد بن الوليد، ومناة صنم لخزاعة يعبده أهل مكة ﴿ ألكم الذكر وله الأنثى ﴾؟ توبيخ وتقريع أي ألكم يا معشر المشركين النوع المحبوب من الأولاد وهو الذكر، وله تعالى النوع المذموم بزعمكم وهو الأنثى؟ ﴿ تلك إذا قسمة ضيزى ﴾ أي تلك القسمة قسمة جائرة غير عادلة حيث جعلتم لربكم ما تكرهونه لأنفسكم قال الرازي: إنهم ما قالوا لنا البنون وله البنات، وإنما نسبوا إلى الله البنات وكانوا يكرهونهن كما قال تعالى
ويجعلون لله ما يكرهون
[النحل: 62] فلما نسبوا إلى الله البنات حصل من تلك النسبة قسمة جائرة ﴿ إن هي إلا أسمآء سميتموهآ أنتم وآبآؤكم ﴾ أي ما هذه الأوثان إلا أسماء مجردة لا معنى تحتها لأنها لا تضر ولا تنفع، سميتموها آلهة أنتم وآباؤكم وهي مجرد تسميات ألقيت على جمادات ﴿ مآ أنزل الله بها من سلطان ﴾ أي ما أنزل الله بها من حجة ولا برهان ﴿ إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس ﴾ أي ما يتبعون في عبادتها إلا الظنون والأوهام، وما تشتهيه أنفسهم مما زينه لهم الشيطان ﴿ ولقد جآءهم من ربهم الهدى ﴾ أي والحال أنه قد جاءهم من ربهم البيان الساطع، والبرهان القاطع على أن الأصنام ليست بآلهة، وأن العبادة لا تصلح إلا لله الواحد القهار قال ابن الجوزي: وفيه تعجيب من حالهم إذ لم يتركوا عبادتها بعد وضوح البيان ﴿ أم للإنسان ما تمنى ﴾ أي ليس للإنسان كل ما يشتهي حتى يطمع في شفاعة الأصنام قال الصاوي: والمراد بالإنسان الكافر، وهذه الآية تجر بذيلها على من يلتجىء لغير الله طلبا للفاني، ويتبع هوى نفسه فيما تطلبه فليس له ما يشتهي، واتباع الهوى هوان ﴿ فلله الآخرة والأولى ﴾ أي فالملك كله لله يعطي من يشاء ويمنع من يشاء، لأنه مالك الدنيا والآخرة، وليس الأمر كما يشتهي الإنسان، بل هو تعالى يعطي من اتبع هداه وترك هواه.. ثم أكد هذا المعنى بقوله ﴿ وكم من ملك في السموت ﴾ أي وكثير من الملائكة الأبرار الأطهار المنبثين في السماوات ﴿ لا تغني شفاعتهم شيئا ﴾ أي أن الملائكة مع علو منزلتهم ورفعة شأنهم لا تنفع شفاعتهم أحدا إلا بإذن الله، فكيف تشفع الأصنام مع حقارتها؟! ﴿ إلا من بعد أن يأذن الله لمن يشآء ويرضى ﴾ أي إلا من بعد أن يأذن تعالى في الشفاعة لمن يشاء من أهل التوحيد والإيمان ويرضى عنه كقوله تعالى: