. ثم وبخهم تعالى على ما هو أشنع وأقبح من تلك المزاعم الباطلة وهو نسبتهم إلى الله البنات، وجعلهم لله جل وعلا ما يكرهون لأنفسهم فقال ﴿ أم له البنات ولكم البنون ﴾؟ أي كيف تجعلون لله البنات - مع كراهتكم لهن - وتجعلون لأنفسكم البنين؟ أهذا هو المنطق والإنصاف؟ قال القرطبي: سفه أحلامهم توبيخا لهم وتقريعا والمعنى أتضيفون إلى الله البنات مع أنفتكم منهن، ومن كان عقله هكذا لا يستبعد منه إنكار البعث وقال أبو السعود: تسفيه لهم وتركيك لعقولهم، وإيذان بأن من هذا رأيه لا يكاد يعد من العقلاء، فضلا عن الترقي إلى عالم الملكوت، والاطلاع على الأسرار الغيبية، والالتفات إلى الخطاب لتشديد الإنكار والتوبيخ ﴿ أم تسألهم أجرا ﴾ أي هل تسألهم يا محمد أجرا على تبليغ الرسالة وتعليم أحكام الدين؟ ﴿ فهم من مغرم مثقلون ﴾ أي فهم بسبب ذلك الأجر والغرم الثقيل الذي أوجبته عليهم مجهدون ومتعبون فلذلك يزهدون في اتباعك، ولا يدخلون في الإسلام؟ فإن العادة أن من كلف إنسانا مالا وضرب عليه جعلا يصير مثقلا وغارما بسببه فيكرهه ولا يسمع قوله ولا يمتثله ﴿ أم عندهم الغيب فهم يكتبون ﴾؟ أي أعندهم علم الغيب حتى يعلموا أن ما يخبرهم به الرسول صلى الله عليه وسلم من أمور الآخرة والحشر والنشر باطل فلذلك يكتبون هذه المعلومات عن معرفة ويقين؟ قال قتادة: هو رد لقولهم ﴿ شاعر نتربص به ريب المنون ﴾ والمعنى أعلموا أن محمدا يموت قبلهم حتى يحكموا بذلك؟ وقال ابن عباس: أم عندهم اللوح المحفوظ فهم يكتبون ما فيه، ويخبرون الناس بما فيه؟ ليس الأمر كذلك فإنه لا يعلم أحد من أهل السماوات والأرض الغيب إلا الله ﴿ أم يريدون كيدا ﴾؟ أي أيريد هؤلاء المجرمون أن يتآمروا عليك يا محمد؟ قال المفسرون: والآية إشارة إلى كيدهم في دار الندوة وتآمرهم على قتل الرسول صلى الله عليه وسلم كما قال تعالى
وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك
[الأنفال: 30] ﴿ فالذين كفروا هم المكيدون ﴾ أي فالذين جحدوا رسالة محمد هم المجزيون بكيدهم لأن ضرر ذلك عائد عليهم، ووباله راجع على أنفسهم كقوله
ولا يحيق المكر السيىء إلا بأهله
[فاطر: 43] قال الصاوي: وأوقع الظاهر ﴿ فالذين كفروا ﴾ موقع المضمر تشنيعا وتقبيحا عليهم بتسجيل وصف الكفر ﴿ أم لهم إله غير الله ﴾؟ أي ألهم إله خالق رازق غير الله تعالى حتى يلجأوا إليه وقت الضيق والشدة؟ ويستنجدوا به لدفع الضر والعذاب عنهم؟ ﴿ سبحان الله عما يشركون ﴾ أي تنزه وتقدس الله عما يشركون به من الأوثان والأصنام قال الإمام الجلال: والاستفهام ب " أم " في مواضعها الخمسة عشر للتوبيخ والتقريع والإنكار.. ثم أخبر تعالى عن شدة طغيانهم وفرط عنادهم فقال ﴿ وإن يروا كسفا من السمآء ساقطا ﴾ أي لو عذبناهم بسقوط قطع من السماء نزلت عليهم لم ينتهوا ولم يرجعوا، ولقالوا في هذا النازل عنادا واستهزاء: إنه سحاب مركوم ﴿ يقولوا سحاب مركوم ﴾ أي إنه سحاب متراكم بعضه فوق بعض قد سقط علينا قال أبو حيان: كانت قريش قد اقترحت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما اقترحت من قولهم
أو تسقط السمآء كما زعمت علينا كسفا
[الإسراء: 92] فأخبر تعالى أنهم لو رأوا ذلك عيانا حسب اقتراحهم لبلغ بهم عتوهم وجهلهم أن يغالطوا أنفسهم فيما عاينوه ويقولوا: هو سحاب مركوم أي سحاب تراكم بعضه فوق بعض ممطرنا، وليس بكسف ساقط للعذاب ﴿ فذرهم حتى يلاقوا يومهم الذي فيه يصعقون ﴾ أي اتركهم يا محمد يتمادون في غيهم وضلالهم، حتى يلاقوا ذلك اليوم الرهيب - يوم القيامة - الذي يأتيهم فيه من العذاب ما يزيل عقولهم ويسلب ألبابهم ﴿ يوم لا يغني عنهم كيدهم شيئا ﴾ أي يوم لا ينفعهم كيدهم ولا مكرهم الذي استعملوه في الدنيا ولا يدفع عنهم شيئا من العذاب ﴿ ولا هم ينصرون ﴾ أي ولا هم يمنعون من عذاب الله في الآخرة ﴿ وإن للذين ظلموا عذابا دون ذلك ﴾ أي وإن للذين كفروا عذابا شديدا في الدنيا قبل عذاب الآخرة قال ابن عباس: هو عذاب القبر وقال مجاهد: هو الجوع والقحط سبع سنين ﴿ ولكن أكثرهم لا يعلمون ﴾ أي لا يعلمون أن العذاب نازل بهم ﴿ واصبر لحكم ربك ﴾ أي اصبر يا محمد على قضاء ربك وحكمه، فيما حملك به من أعباء الرسالة ﴿ فإنك بأعيننا ﴾ أي فإنك بحفظنا وكلاءتنا نحرسك ونرعاك ﴿ وسبح بحمد ربك حين تقوم ﴾ أي ونزه ربك عما لا يليق به من صفات النقص حين تقوم من منامك ومن كل مجلس بأن تقول: سبحان الله وبحمده قال ابن عباس: أي صل لله حين تقوم من منامك ﴿ ومن الليل فسبحه ﴾ أي ومن الليل فاذكره واعبده بالتلاوة والصلاة والناس نيام كقوله