تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

46.20-35

المناسبة: لما ذكر تعالى أحوال بعض الأشقياء، أعقبه بذكر حال الكفار الفجار في الآخرة، ثم ذكر قصة عاد الذين أهلكهم الله بطغيانهم مع ما كانوا عليه من القوة والشدة، تذكيرا لكفار قريش بعاقبة التكذيب والطغيان، وختم السورة الكريمة بقصة النفر من الجن الذين آمنوا بالقرآن حين سمعوه ودعوا قومهم إلى الإيمان.

اللغة: ﴿ الهون ﴾ الهوان والذل ﴿ الأحقاف ﴾ الرمال العظيمة جمع حقف وهو ما استطال من الرمل العظيم واعوج، والأحقاف ديار عاد ﴿ لتأفكنا ﴾ لتصرفنا وتزيلنا، والإفك: الكذب ﴿ عارضا ﴾ سحابا يعرض في الأفق ﴿ تدمر ﴾ تهلك، والتدمير الهلاك وكذلك الدمار ﴿ صرفنا ﴾ بعثنا ووجهنا ﴿ يعي ﴾ يضعف ويعجز من الإعياء وهو التعب والعجز.

التفسير: ﴿ ويوم يعرض الذين كفروا على النار ﴾ أي وذكرهم يا محمد يوم يكشف الغطاء عن نار جهنم، وتبرز للكافرين فيقربون منها وينظرون إليها ﴿ أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا ﴾ في الكلام حذف أي ويقال لهم تقريعا وتوبيخا أذهبتم طيباتكم أي لقد نلتم وأصبتم لذائد الدنيا وشهواتها فلم يبق لكم نصيب اليوم في الآخرة قال في البحر: والطيبات هنا المستلذات من المآكل والمشارب، والملابس والمفارش. والمراكب والمواطىء، وغير ذلك مما يتنعم به أهل الرفاهية ﴿ واستمتعتم بها ﴾ أي وتمتعتم بتلك اللذائذ والطيبات في الدنيا قال المفسرون: المراد بالآية إنكم لم تؤمنوا حتى تنالوا نعيم الآخرة، بل اشتغلتم بشهوات الدنيا ولذائذها عن الإيمان والطاعة، وأفنيتم شبابكم في الكفر والمعاصي، وآثرتم الفاني على الباقي، فلم يبق لكم بعد ذلك شيء من النعيم، ولهذا قال بعده ﴿ فاليوم تجزون عذاب الهون ﴾ أي ففي هذا اليوم - يوم الجزاء - تنالون عذاب الذل والهوان ﴿ بما كنتم تستكبرون في الأرض بغير الحق ﴾ أي بسبب استكباركم في الدنيا عن الإيمان وعن الطاعة ﴿ وبما كنتم تفسقون ﴾ أي وبسبب فسقكم وخروجكم عن طاعة الله، وارتكاب الفجور والآثام قال الإمام الفخر: وهذه الآية لا تدل على المنع من التنعم، لأن هذه الآية وردت في حق الكافر، وإنما وبخ الله الكافر لأنه يتمتع بالدنيا ولا يؤدي شكر المنعم بطاعته والإيمان به، وأما المؤمن فإنه يؤدي بإيمانه شكر المنعم فلا يوبخ بتمتعه ودليله

قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق

[الأعراف: 32]!! نعم لا ينكر أن الاحتراز عن التنعم أولى، وعليه يحمل قول عمر " لو شئت لكنت أطيبكم طعاما، وأحسنكم لباسا، ولكني أستبقي طيباتي لحياتي الآخرة " وقال في التسهيل: الآية في الكفار بدليل قوله تعالى ﴿ ويوم يعرض الذين كفروا ﴾ وهي مع ذلك واعظة لأهل التقوى من المؤمنين، ولذلك قال عمر لجابر ابن عبد الله - وقد رآه اشترى لحما - أو كلما اشتهى أحدكم شيئا جعله في بطنه! أما تخشى أن تكون من أهل هذه الآية ممن قال الله فيهم ﴿ أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا ﴾!! ﴿ واذكر أخا عاد ﴾ أي اذكر يا محمد لهؤلاء المشركين قصة نبي الله هود عليه السلام مع قومه عاد ليعتبروا بها ﴿ إذ أنذر قومه بالأحقاف ﴾ أي حين حذر قومه من عذاب الله إن لم يؤمنوا وهم مقيمون بالأحقاف - وهي تلال عظيمة من الرمل في بلاد اليمن - قال ابن كثير: الأحقاف جمع حقف وهو الجبل من الرمل، قال قتادة: كانوا حيا باليمن أهل رمل مشرفين على البحر بأرض يقال لها: الشحر ﴿ وقد خلت النذر من بين يديه ومن خلفه ﴾ أي وقد مضت الرسل بالإنذار من قبل هود ومن بعده، والجملة اعتراضية وهي إخبار من الله تعالى أنه قد بعث رسلا متقدمين قبل هود وبعده ﴿ ألا تعبدوا إلا الله ﴾ أي حذرهم هود عليه السلام قائلا لهم: بأن لا تعبدوا إلا الله ﴿ إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم ﴾ أي إني أخاف عليكم إن عبدتم غير الله عذاب يوم هائل وهو يوم القيامة ﴿ قالوا أجئتنا لتأفكنا عن آلهتنا ﴾ أي قالوا جوابا لإنذاره: أجئتنا يا هود لتصرفنا عن عبادة آلهتنا؟ وهو استفهام، يراد منه التسفيه والتجهيل لما دعاهم إليه ﴿ فأتنا بما تعدنآ إن كنت من الصادقين ﴾ أي فأتنا بالعذاب الذي وعدتنا به إن كنت صادقا فيما تقول قال ابن كثير: استعجلوا عذاب الله وعقوبته استبعادا منهم لوقوعه ﴿ قال إنما العلم عند الله ﴾ أي قال لهم هود: ليس علم وقت العذاب عندي إنما علمه عند الله ﴿ وأبلغكم مآ أرسلت به ﴾ أي وإنما أنا مبلغ ما أرسلني به الله إليكم ﴿ ولكني أراكم قوما تجهلون ﴾ أي ولكنني أجدكم قوما جهلة في سؤالكم استعجال العذاب ﴿ فلما رأوه عارضا مستقبل أوديتهم ﴾ أي فلما رأوا السحاب معترضا في أفق السماء متجها نحو أوديتهم استبشروا به ﴿ قالوا هذا عارض ممطرنا ﴾ أي وقالوا هذا السحاب يأتينا بالمطر قال المفسرون: كانت عاد قد أبطأ عنهم المطر، وقحطوا مدة طويلة من الزمن، فلما رأوا ذلك السحاب العارض ظنوا أنه مطر ففرحوا به واستبشروا وقالوا: هذا عارض ممطرنا ﴿ بل هو ما استعجلتم به ﴾ أي قال لهم هود: ليس الأمر كما زعمتم أنه مطر، بل هو ما استعجلتم به من العذاب ثم فسره بقوله ﴿ ريح فيها عذاب أليم ﴾ أي هو ريح عاصفة مدمرة فيها عذاب فظيع مؤلم ﴿ تدمر كل شيء بأمر ربها ﴾ أي تخرب وتهلك كل شيء أتت عليه من رجال ومواش وأموال، بأمره تعالى وإذنه قال ابن عباس: أول ما جاءت الريح على قوم عاد، كانت تأتي على الرجال والمواشي فترفعهم من الأرض وتطير بهم إلى السماء حتى يصبح الواحد منهم كالريشة، ثم تضربهم على الأرض، فدخلوا بيوتهم وأغلقوا أبوابهم، فقلعت الريح الأبواب وصرعتهم، فهي التي قال الله فيها ﴿ تدمر كل شيء بأمر ربها ﴾ أي تدمر كل شيء مرت عليه من رجال عاد وأموالها، والتدمير الهلاك، وفي الحديث عن عائشة قالت:

صفوة التفاسير · الصفحة ٦٤٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

صفوة التفاسيرص ٦٤٥