تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

. الخ ثم رد تعالى على شبهة أخرى من شبه المشركين فقال ﴿ وقال الذين كفروا للذين آمنوا لو كان خيرا ما سبقونآ إليه ﴾ أي وقال كفار مكة في حق المؤمنين: لو كان هذا القرآن والدين خيرا ما سبقنا إليه هؤلاء الفقراء الضعفاء!! وقال ابن كثير: يعنون " بلالا " و " عمارا " و " صهيبا " و " خبابا " وأشباههم من المستضعفين والعبيد والإماء ممن أسلم وآمن بالنبي صلى الله عليه وسلم ﴿ وإذ لم يهتدوا به فسيقولون هذآ إفك قديم ﴾ أي ولما لم يهتدوا بالقرآن مع وضوح إعجازه، قالوا هذا كذب قديم مأثور عن الأقدمين، أتى به محمد ونسبه إلى الله تعالى ﴿ ومن قبله كتاب موسى إماما ورحمة ﴾ أي ومن قبل القرآن التوراة التي أنزلها الله على موسى قدوة يؤتم بها في دين الله وشرائعه كما يؤتم بالإمام، ورحمة لمن آمن بها وعمل بما فيها قال الإمام الفخر: ووجه تعلق الآية بما قبلها أن المشركين طعنوا في صحة القرآن، وقالوا لو كان خيرا ما سبقنا إليه هؤلاء الضعفاء الصعاليك، فرد الله عليهم بأنكم لا تنازعون أن الله أنزل التوراة على موسى، وجعل هذا الكتاب - التوراة - إماما يقتدى به، ثم إن التوراة مشتملة على البشارة بمحمد صلى الله عليه وسلم فإذا سلمتم كونها من عند الله، فاقبلوا حكمها بأن محمد صلى الله عليه وسلم رسول حقا من عند الله ﴿ وهذا كتاب مصدق لسانا عربيا ﴾ أي وهذا القرآن كتاب عظيم الشأن، مصدق للكتب قبله بلسان عربي فصيح، فكيف ينكرونه وهو أفصح بيانا، وأظهر برهانا، وأبلغ إعجازا من التوراة؟ ﴿ لينذر الذين ظلموا وبشرى للمحسنين ﴾ أي ليخوف كفار مكة الظالمين من عذاب الجحيم، ويبشر المؤمنين المحسنين بجنات النعيم.

. ولما بين تعالى أحوال المشركين المكذبين بالقرآن، أردفه بذكر أحوال المؤمنين المستقيمين على شريعة الله فقال ﴿ إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا ﴾ أي جمعوا بين الإيمان والتوحيد والاستقامة على شريعة الله ﴿ فلا خوف عليهم ﴾ أي فلا يلحقهم مكروه في الآخرة يخافون منه ﴿ ولا هم يحزنون ﴾ أي ولا هم يحزنون على ما خلفوا في الدنيا ﴿ أولئك أصحاب الجنة خالدين فيها ﴾ أي أولئك المؤمنون المستقيمون في دينهم، هم أهل الجنة ماكثين فيها أبدا ﴿ جزآء بما كانوا يعملون ﴾ أي نالوا ذلك النعيم جزاء لهم على أعمالهم الصالحة ﴿ ووصينا الإنسان بوالديه إحسانا ﴾ لما كان رضا الله في رضا الوالدين، وسخطه في سخطهما حث تعالى العباد عليه والمعنى أمرنا الإنسان أمرا جازما مؤكدا بالإحسان إلى الوالدين، ثم بين السبب فقال ﴿ حملته أمه كرها ووضعته كرها ﴾ أي حملته بكره ومشقة ووضعته بكره ومشقة ﴿ وحمله وفصاله ثلاثون شهرا ﴾ أي ومدة حمله ورضاعه عامان ونصف، فهي لا تزال تعاني التعب والمشقة طيلة هذه المدة قال ابن كثير: أي قاست بسببه في حال حمله مشقة وتعبا من وحم، وغثيان، وثقل، وكرب إلى غير ذلك مما تنال الحوامل من التعب والمشقة، ووضعته بمشقة أيضا من الطلق وشدته، وقد استدل العلماء بهذه الآية مع التي في لقمان

وفصاله في عامين

[لقمان: 14] على أن أقل مدة الحمل ستة أشهر، وهو استنباط قوي صحيح ﴿ حتى إذا بلغ أشده ﴾ أي حتى إذا عاش هذا الطفل وبلغ كمال قوته وعقله ﴿ وبلغ أربعين سنة ﴾ أي واستمر في الشباب والقوة حتى بلغ أربعين سنة وهو نهاية اكتمال العقل والرشد ﴿ قال رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى والدي ﴾ أي قال رب ألهمني شكر نعمتك التي أنعمت بها علي وعلى والدي حتى ربياني صغيرا ﴿ وأن أعمل صالحا ترضاه ﴾ أي ووفقني لكي أعمل عملا صالحا يرضيك عني ﴿ وأصلح لي في ذريتي ﴾ أي اجعل ذريتي ونسلي صالحين قال شيخ زاده: طلب هذا الداعي من الله ثلاثة أشياء: الأول: أن يوفقه الله للشكر على النعمة والثاني: أن يوفقه للإتيان بالطاعة المرضية عند الله والثالث: أن يصلح له في ذريته، وهذه كمال السعادة البشرية ﴿ إني تبت إليك وإني من المسلمين ﴾ أي إني يا رب تبت إليك من جميع الذنوب، وإني من المستمسكين بالإسلام قال ابن كثير: وفي الآية إرشاد لمن بلغ الأربعين أن يجدد التوبة والإنابة إلى الله عز وجل ويعزم عليها ﴿ أولئك الذين نتقبل عنهم أحسن ما عملوا ﴾ أي أولئك الموصوفون بما ذكر نتقبل منهم طاعاتهم ونجازيهم على أعمالهم بأفضلها ﴿ ونتجاوز عن سيئاتهم في أصحاب الجنة ﴾ أي ونصفح عن خطيئاتهم وزلاتهم، في جملة أصحاب الجنة الذين نكرمهم بالعفو والغفران ﴿ وعد الصدق الذي كانوا يوعدون ﴾ أي بذلك الوعد الصادق الذي وعدناهم به على ألسنة الرسل، بأن نتقبل من محسنهم ونتجاوز عن مسيئهم.

صفوة التفاسير · الصفحة ٦٤٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

صفوة التفاسيرص ٦٤٣