تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

. ثم لما توعدهم بأنواع العذاب ذكرهم تعالى بنعمه الجليلة ليشكروه ويوحدوه فقال ﴿ الله الذي سخر لكم البحر ﴾ أي الله تعالى بقدرته وحكمته هو الذي ذلل لكم البحر على ضخامته وعظمه ﴿ لتجري الفلك فيه بأمره ﴾ أي لتسير السفن على سطحه بمشيئته وإرادته، دون أن تغوص في أعماقه قال الإمام الفخر: خلق وجه الماء على الملاسة التي تجري عليها السفن، وخلق الخشبة على وجه تبقى طافية على وجه الماء دون أن تغوص فيه، وذلك لا يقدر عليه أحد إلا الله ﴿ ولتبتغوا من فضله ﴾ أي ولتطلبوا من فضل الله بسبب التجارة، والغوص على اللؤلؤ والمرجان، وصيد الأسماك وغيرها ﴿ ولعلكم تشكرون ﴾ أي ولأجل أن تشكروا ربكم على ما أنعم به عليكم وتفضل قال القرطبي: ذكر تعالى كمال قدرته، وتمام نعمته على عباده، وبين أنه خلق ما خلق لمنافعهم، وكل ذلك من فعله وخلقه، وإحسان منه وإنعام ﴿ وسخر لكم ما في السموت وما في الأرض جميعا منه ﴾ أي وخلق لكم كل ما في هذا الكون، من كواكب، وجبال، وبحار، وأنهار، ونبات، وأشجار، الجميع من فضله وإحسانه وامتنانه، من عنده وحده جل وعلا ﴿ إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون ﴾ أي إن فيما ذكر لعبرا وعظات لقوم يتأملون في بدائع صنع الله فيستدلون على قدرته ووحدانيته ويؤمنون، ثم لما بين تعالى دلائل التوحيد والقدرة والحكمة، أردفه بتعليم فضائل الأخلاق، ومحاسن الأفعال فقال ﴿ قل للذين آمنوا يغفروا للذين لا يرجون أيام الله ﴾ أي قل يا محمد للمؤمنين يصفحوا عن الكفار، ويتجاوزوا عما يصدر عنهم من الأذى والأفعال الموحشة قال مقاتل: شتم رجل من الكفار عمر بمكة فهم أن يبطش به، فأمر الله بالعفو والتجاوز وأنزل هذه الآية، والمراد من قوله ﴿ لا يرجون أيام الله ﴾ أي لا يخافون بأس الله وعقابه لأنهم لا يؤمنون بالآخرة ولا بلقاء الله قال ابن كثير: أمر المسلمون أن يصبروا على أذى المشركين وأهل الكتاب، ليكون ذلك تأليفا لهم، ثم لما أصروا على العناد، شرع الله للمؤمنين الجلاد والجهاد ﴿ ليجزي قوما بما كانوا يكسبون ﴾ وعيد وتهديد أي ليجازي الكفرة المجرمين بما اقترفوه من الإثم والإجرام، والتنكير للتحقير ﴿ من عمل صالحا فلنفسه ومن أسآء فعليها ﴾ أي من فعل خيرا في الدنيا فنفعه لنفسه، ومن ارتكب سوءا وشرا فضرره عائد عليها، ولا يكاد يسري عمل إلى غير عامله ﴿ ثم إلى ربكم ترجعون ﴾ أي ثم مرجعكم يوم القيامة إلى الله وحده، فيجازي كلا بعمله، المحسن بإحسانه، والمسيء بإساءته.

. ولما ذكر بالنعم العامة أردفه بذكر النعم الخاصة على بني إسرائيل فقال ﴿ ولقد آتينا بني إسرائيل الكتاب والحكم والنبوة ﴾ أي والله لقد أعطينا بني إسرائيل التوراة، وفصل الحكومات بين الناس، وجعلنا فيهم الأنبياء والمرسلين ﴿ ورزقناهم من الطيبات ﴾ أي ورزقناهم من أنواع النعم الكثيرة من المآكل والمشارب، والأقوات والثمار ﴿ وفضلناهم على العالمين ﴾ أي وفضلناهم على سائر الأمم في زمانهم قال الصاوي: والمقصود من ذلك تسليته صلى الله عليه وسلم كأنه قال: لا تحزن يا محمد على كفر قومك، فإننا آتينا بني إسرائيل الكتاب والنعم العظيمة، فلم يشكروا بل أصروا على الكفر، فكذلك قومك ﴿ وآتيناهم بينات من الأمر ﴾ أي وبينا لهم في التوراة أمر الشريعة وأمر محمد صلى الله عليه وسلم على أكمل وجه قال ابن عباس: يعني أمر النبي صلى الله عليه وسلم وشواهد نبوته بأنه يهاجر من تهامة إلى يثرب وينصره أهلها ﴿ فما اختلفوا إلا من بعد ما جآءهم العلم ﴾ أي فما اختلفوا في ذلك الأمر، إلا من بعد ما جاءتهم الحجج والبراهين والأدلة القاطعة على صدقه ﴿ بغيا بينهم ﴾ أي حسدا وعنادا وطلبا للرياسة قال الإمام الفخر: والمقصود من الآية التعجب من هذه الحالة، لأن حصول العلم يوجب ارتفاع الخلاف، وههنا صار العلم سببا لحصول الاختلاف، لأنه لم يكن مقصودهم نفس العلم وإنما المقصود منه طلب الرياسة والتقدم، فلذلك علموا وعاندوا ﴿ إن ربك يقضي بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون ﴾ أي هو جل وعلا الذي يفصل بين العباد يوم القيامة فيما اختلفوا فيه من أمر الدين، وفي الآية زجر للمشركين أن يسلكوا مسلك من سبقهم من الأمم العاتية الطاغية ﴿ ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها ﴾ أي ثم جعلناك يا محمد على طريقة واضحة، ومنهاج سديد رشيد من أمر الدين، فاتبع ما أوحى إليك ربك من الدين القيم ﴿ ولا تتبع أهوآء الذين لا يعلمون ﴾ أي لا تتبع ضلالات المشركين قال البيضاوي: لا تتبع آراء الجهال التابعة للشهوات، وهم رؤساء قريش حيث قالوا: ارجع إلى دين آبائك ﴿ إنهم لن يغنوا عنك من الله شيئا ﴾ أي لن يدفعوا عنك شيئا من العذاب إن سايرتهم على ضلالهم ﴿ وإن الظالمين بعضهم أوليآء بعض ﴾ أي وإن الظالمين يتولى بعضهم بعضا في الدنيا ولا ولي لهم في الآخرة ﴿ والله ولي المتقين ﴾ أي وهو تعالى ناصر ومعين المؤمنين المتقين في الدنيا والآخرة ﴿ هذا بصائر للناس وهدى ورحمة لقوم يوقنون ﴾ أي هذا القرآن نور وضياء للناس بمنزلة البصائر في القلوب، وهو رحمة لمن آمن به وأيقن.

صفوة التفاسير · الصفحة ٦٣٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

صفوة التفاسيرص ٦٣٨