تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أفسحر هذا أم أنتم لا تبصرون

[الطور: 15] والجمع في الآية باعتبار المعنى لأن المراد جنس الأثيم.. ولما ذكر تعالى أحوال أهل النار أتبعه بذكر أحوال أهل الجنة فقال ﴿ إن المتقين في مقام أمين ﴾ أي الذين اتقوا الله في الدنيا بامتثال أوامره واجتناب نواهيه، هم اليوم في موضع إقامة يأمنون فيه من الآفات والمنغصات والمكاره، وهو الجنة ولهذا قال بعده ﴿ في جنات وعيون ﴾ أي في حدائق وبساتين ناضرة، وعيون جارية ﴿ يلبسون من سندس وإستبرق ﴾ أي يلبسون ثياب الحرير، الرقيق منه وهو السندس، والسميك منه وهو الاستبرق ﴿ متقابلين ﴾ أي متقابلين في المجالس ليستأنس بعضهم ببعض ﴿ كذلك وزوجناهم بحور عين ﴾ أي كذلك أكرمناهم بأنواع الإكرام، وزوجناهم أيضا بالحور الحسان في الجنان قال البيضاوي: أي قرناهم بالحور العين، والحوراء: البيضاء، والعيناء: عظيمة العينين، وإنما وصف تعالى نعيمهم بذلك لأن الجنات والأنهار من أقوى أسباب نزهة الخاطر، وانفراجه عن الغم، ثم ذكر الحور الحسان لأن بها اكتمال سعادة الإنسان كما قيل " ثلاثة تنفي عن القلب الحزن: الماء، والخضرة، والوجه الحسن " ثم زاد في بيان النعيم فقال ﴿ يدعون فيها بكل فاكهة آمنين ﴾ أي يطلبون من الخدم إحضار جميع أنواع الفواكه في الجنة، لأجل أنهم آمنون من التخم والأمراض، فلا تعب في الجنة ولا وصب ﴿ لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى ﴾ استثناء منقطع أي لا يذوقون في الجنة الموت لكنهم قد ذاقوا الموتة الأولى في الدنيا فلم يعد ثمة موت، بل خلود أبد الآبدين ﴿ ووقاهم عذاب الجحيم ﴾ أي خلصهم ونجاهم من عذاب جهنم الشديد الأليم ﴿ فضلا من ربك ﴾ أي فعل ذلك بهم تفضلا منه تعالى عليهم ﴿ ذلك هو الفوز العظيم ﴾ أي ذلك الذي أعطوه من النعيم، هو الفوز العظيم الذي لا فوز وراءه ﴿ فإنما يسرناه بلسانك لعلهم يتذكرون ﴾ أي فإنما سهلنا القرآن بلغتك - وهي لسان العرب - لعلهم يتعظون وينزجرون ﴿ فارتقب إنهم مرتقبون ﴾ أي فانتظر يا محمد ما يحل بهم، إنهم منتظرون هلاكك، وسيعلمون لمن تكون النصرة والظفر في الدنيا والآخرة، وفيه وعد للرسول صلى الله عليه وسلم ووعيد للمشركين.

البلاغة: تضمنت السورة الكريمة وجوها من البيان والبديع نوجزها فيما يلي:

1- صيغة المبالغة ﴿ السميع العليم ﴾ ﴿ العزيز الرحيم ﴾ ﴿ العزيز الكريم ﴾.

2- الطباق

لا إله إلا هو يحيي ويميت

[الدخان: 8] وكذلك ﴿ إن هي إلا موتتنا الأولى وما نحن بمنشرين ﴾.

3- تحريك الهمة للإيمان والتبصر

إن كنتم موقنين

[الدخان: 7].

4- الإيجاز بحذف بعض الكلام ﴿ أن أسر بعبادي ﴾ أي وقلنا له بأن أسر.

5- الاستعارة اللطيفة

فما بكت عليهم السمآء والأرض

[الدخان: 29] أي لم يتغير بهلاكهم شيء ولم تحزن عليهم السماء والأرض بعد انقطاع آثارهم، والعرب يقولون في التعظيم: بكت عليه السماء والأرض، وأظلمت له الدنيا ويقولون في التحقير: مات فلان فلم تخشع له الجبال.

6- أسلوب التعجيز ﴿ فأتوا بآبآئنا إن كنتم صادقين ﴾.

7- أسلوب التهكم والسخرية ﴿ ذق إنك أنت العزيز الكريم ﴾.

8- التفجع وإظهار الأسى والحسرة

كم تركوا من جنات وعيون * وزروع ومقام كريم

[الدخان: 25-26].

9- التشبيه المرسل المجمل ﴿ كالمهل يغلي في البطون * كغلي الحميم ﴾.

10- السجع الرصين غير المتكلف الذي يزيد في رونق الكلام وجماله إقرأ مثلا قوله تعالى ﴿ إن شجرة الزقوم * طعام الأثيم * كالمهل يغلي في البطون * كغلي الحميم * خذوه فاعتلوه إلى سوآء الجحيم * ثم صبوا فوق رأسه من عذاب الحميم * ذق إنك أنت العزيز الكريم ﴾.

صفوة التفاسير · الصفحة ٦٣٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

صفوة التفاسيرص ٦٣٦