تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون مشارق الأرض ومغاربها التي باركنا فيها

[الأعراف: 137] وقال تعالى في مكان آخر

وأورثناها بني إسرائيل

[الشعراء: 59] ﴿ فما بكت عليهم السمآء والأرض ﴾ أي فما حزن على فقدهم أحد، ولا تأثر بموتهم كائن من الخلق ﴿ وما كانوا منظرين ﴾ أي ما كانوا مؤخرين وممهلين إلى وقت آخر. بل عجل عقابهم في الدنيا قال القرطبي: تقول العرب عند موت السيد منهم: بكت له السماء والأرض، أي عمت مصيبته الأشياء حتى بكته الأرض والسماء، والريح والبرق قال الشاعر:

فيا شجر الخابور مالك مورقا

كأنك لم تجزع لموت طريف

وذلك على سبيل التمثيل والتخييل مبالغة في وجوب الجزع والبكاء عليه والمعنى أنهم هلكوا فلم تعظم مصيبتهم ولم يوجد لهم فقد، وقيل هو على حذف مضاف أي ما بكى عليهم أهل السماء وأهل الأرض.

44.30-59

المناسبة: لما ذكر تعالى إهلاك فرعون وقومه، أردفه بذكر إحسانه لبني إسرائيل، ليشكروا ربهم على إنعامه وإحسانه، ثم حذر كفار مكة من بطش الله وانتقامه، وختم السورة الكريمة ببيان حال الأشقياء والسعداء في يوم الفصل والجزاء.

اللغة: ﴿ عاليا ﴾ متكبرا جبارا ﴿ بلاء ﴾ اختبار وامتحان ﴿ منشرين ﴾ مبعوثين بعد الموت، وأنشر الله الموتى أحياهم ﴿ قوم تبع ﴾ ملوك اليمن، وكانوا يسمون ملوكهم التبابعة قال الجوهري: التبابعة ملوك اليمن، واحدهم تبع، وقال أهل اللغة: تبع لقب للملك منهم كالقياصرة للروم، والأكاسرة للفرس، والخلفاء للمسلمين ﴿ يوم الفصل ﴾ يوم القيامة ﴿ مولى ﴾ قريب وناصر ﴿ المهل ﴾ النحاس المذاب ﴿ الأثيم ﴾ الفاجر من أثم الرجل يأثم إذا وقع في الإثم والفجور ﴿ اعتلوه ﴾ جروه وسوقوه بعنف وشدة ﴿ سندس ﴾ رقيق الديباج ﴿ إستبرق ﴾ غليظ الديباج ﴿ عين ﴾ واسعات الأعين جمع عيناء ﴿ ارتقب ﴾ انتظر.

التفسير: ﴿ ولقد نجينا بني إسرائيل من العذاب المهين ﴾ أي والله لقد أنقذنا بني إسرائيل من العذاب الشديد، المفرط في الإذلال والإهانة، وهو قتل أبنائهم واستخدام نسائهم، وإرهاقهم في الأعمال الشاقة ﴿ من فرعون إنه كان عاليا من المسرفين ﴾ أي من طغيان فرعون وجبروته إنه كان متكبرا جبارا، متجاوزا الحد في الطغيان والإجرام قال الصاوي: هذا من جملة تعداد النعم على بني إسرائيل، والمقصود من ذلك تسليته صلى الله عليه وسلم وتبشيره بأنه سينجيه وقومه المؤمنين من أيدي المشركين، فإنهم لم يبلغوا في التجبر مثل فرعون وقومه ﴿ ولقد اخترناهم على علم على العالمين ﴾ أي اصطفيناهم وشرفناهم على علم منا باستحقاقهم لذلك الشرف على جميع الناس في زمانهم قال قتادة: على أهل زمانهم، لا على أمة محمد لقوله تعالى

كنتم خير أمة أخرجت للناس

[آل عمران: 110] ﴿ وآتيناهم من الآيات ما فيه بلاء مبين ﴾ أي وآتيناهم من الحجج والبراهين وخوارق العادات ما فيه اختبار وامتحان ظاهر جلي لمن تدبر وتبصر قال الرازي: والآيات مثل فلق البحر، وتظليل الغمام، وإنزال المن والسلوى وغيرها من الآيات الباهرة، التي ما أظهر الله مثلها على أحد سواهم ﴿ إن هؤلاء ليقولون * إن هي إلا موتتنا الأولى ﴾ أي إن كفار قريش ليقولون: لن نموت إلا موتة واحدة وهي موتتنا الأولى في الدنيا، وفي قوله تعالى ﴿ هؤلاء ﴾ تحقير لهم وازدراء بهم قال المفسرون: لما كان الحديث في أول السورة عن كفار مكة، وجاءت قصة فرعون وقومه مسوقة للدلالة على أنهم مثلهم في الإصرار على الضلالة والكفر، رجع إلى الحديث عن كفار قريش، والغرض من قولهم ﴿ إن هي إلا موتتنا الأولى ﴾ إنكار البعث كأنهم قالوا: إذا متنا فلا بعث ولا حياة ولا نشور، ثم صرحوا بذلك بقولهم ﴿ وما نحن بمنشرين ﴾ أي وما نحن بمبعوثين ﴿ فأتوا بآبآئنا إن كنتم صادقين ﴾ خطاب للرسول صلى الله عليه وسلم والمؤمنين على وجه التعجيز أي أحيوا لنا آبائنا ليخبرونا بصدقكم إن كنتم صادقين في أن هناك حياة بعد هذه الحياة قال الإمام الفخر: إن الكفار احتجوا على نفي الحشر والنشر بأن قالوا: إن كان البعث والنشور ممكنا معقولا فجعلوا لنا إحياء من مات من آبائنا ليصير ذلك دليلا عندنا على صدق دعواكم في البعث يوم القيامة وقال القرطبي: قال هذا أبو جهل، قال يا محمد: إن كنت صادقا في قولك فابعث لنا رجلين من آبائنا أحدهما: قصي بن كلاب فإنه كان رجلا صادقا، لنسأله عما يكون بعد الموت ﴿ أهم خير أم قوم تبع ﴾ استفهام انكار مع التهديد أي أهؤلاء المشركون أقوى وأشد أم أهل سبأ ملوك اليمن؟ الذين كانوا أكثر أموالا، وأعظم نعيما من كفار مكة؟ ﴿ والذين من قبلهم أهلكناهم ﴾ أي والذين سبقوهم من الأمم العاتية أهلكناهم، وخربنا بلادهم، وفرقناهم شذر مذر قال أبو السعود: والمراد بهم عاد وثمود وأضرابهم من كل جبار عنيد، أولي بأس شديد، فأولئك كانوا أقوى من هؤلاء، وقد أهلكهم الله مع ما كانوا عليه من غاية القوة والشدة، فإهلاك هؤلاء أولى ﴿ إنهم كانوا مجرمين ﴾ تعليل للإهلاك أي أهلكناهم ودمرناهم بسبب إجرامهم، وفيه وعيد وتهديد لقريش أن يفعل الله بهم ما فعل بقوم تبع والمكذبين.

صفوة التفاسير · الصفحة ٦٣٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

صفوة التفاسيرص ٦٣٤