تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

﴿ كبر على المشركين ما تدعوهم إليه ﴾ أي عظم وشق على الكفار ما تدعوهم إليه من عبادة الله، وتوحيد الواحد القهار ﴿ الله يجتبي إليه من يشآء ويهدي إليه من ينيب ﴾ أي الله يصطفي ويختار للإيمان والتوحيد من يشاء من عباده، ويهدي إلى دينه الحق من يرجع إلى طاعته، فيوفقه له ويقربه إليه رحمة وإكراما ﴿ وما تفرقوا إلا من بعد ما جآءهم العلم ﴾ أي وما تفرق أهل الأديان المختلفة من اليهود والنصارى وغيرهم إلا من بعد ما قامت عليهم الحجج والبراهين من النبي المرسل إليهم ﴿ بغيا بينهم ﴾ أي ظلما وتعديا، وحسدا وعنادا ﴿ ولولا كلمة سبقت من ربك إلى أجل مسمى ﴾ أي ولولا أن الله قضى بتأخير العذاب عنهم إلى يوم القيامة ﴿ لقضي بينهم ﴾ أي لعجل لهم العقوبة في الدنيا سريعا باستئصالهم قال ابن كثير: أي لولا الكلمة السالفة من الله تعالى بإنظار العباد إلى يوم المعاد لعجل لهم العقوبة سريعا ﴿ وإن الذين أورثوا الكتاب من بعدهم ﴾ أي وإن بقية أهل الكتاب الذين عاصروا رسول الله صلى الله عليه وسلم من بعد أسلافهم السابقين ﴿ لفي شك منه مريب ﴾ أي لفي شك من التوراة والإنجيل، موقع لهم في أشد الحيرة والريبة، لأنهم ليسوا على يقين من أمر دينهم وكتابهم، وإنما هم مقلدون لآبائهم وأسلافهم، بلا دليل ولا برهان قال البيضاوي: لا يعلمون كتابهم كما هو ولا يؤمنون به حق الإيمان، فهم في شك مقلق ﴿ فلذلك فادع واستقم كمآ أمرت ﴾ أي فلأجل ذلك التفرق الذي حدث لأهل الكتاب، أمرناك يا محمد أن تدعو الناس إلى دين الحنيفية السمحة، الذي وصينا به جميع المرسلين قبلك، فادع يا محمد إليه والزام النهج القويم مع الاستقامة كما أمرك ربك ﴿ ولا تتبع أهوآءهم ﴾ أي ولا تتبع أهواء المشركين الباطلة فيما يدعونك إليه من ترك دعوة التوحيد ﴿ وقل آمنت بمآ أنزل الله من كتاب ﴾ أي صدقت بكل كتاب أنزله الله تعالى قال الرازي: يعني الإيمان بجميع الكتب السماوية، لأن أهل الكتاب المتفرقين في دينهم آمنوا ببعض وكفروا ببعض ﴿ وأمرت لأعدل بينكم ﴾ أي وأمرني ربي بأن أعدل بينكم في الحكم قال ابن جزي: يعني العدل في الأحكام إذا تخاصموا إليه ﴿ الله ربنا وربكم ﴾ أي الله خالقنا جميعا ومتولي أمورنا فيجب أن نفرده بالعبادة ﴿ لنآ أعمالنا ولكم أعمالكم ﴾ أي لنا جزاء أعمالنا ولكم جزاء أعمالكم، من خير أو شر، لا نستفيد من حسناتكم ولا نتضرر من سيئاتكم قال ابن كثير: هذا تبرؤ منهم أي نحن برآء منكم كقوله تعالى

وإن كذبوك فقل لي عملي ولكم عملكم أنتم بريئون ممآ أعمل وأنا بريء مما تعملون

[يونس: 41] ﴿ لا حجة بيننا وبينكم ﴾ أي لا جدال ولا مناظرة بيننا وبينكم، فإن الحق قد ظهر وبان كالشمس في رابعة النهار، وأنتم تعاندون وتكابرون ﴿ الله يجمع بيننا وإليه المصير ﴾ أي الله يجمع بيننا يوم القيامة لفصل القضاء، وإليه المرجع والمآب فيجازي كل أحد بعمله من خير وشر قال الصاوي: والغرض أن الحق قد ظهر، والحجج قد قامت، فلم يبق إلا العناد، وبعد العناد لا حجة ولا جدل، والله يفصل بين الخلائق يوم المعاد، ويجازي كلا بعمله ﴿ والذين يحآجون في الله ﴾ أي يخاصمون في دينه لصد الناس عن الإيمان ﴿ من بعد ما استجيب له ﴾ أي من بعد ما استجاب الناس له ودخلوا في دينه ﴿ حجتهم داحضة عند ربهم ﴾ أي حجتهم باطلة لا ثبوت لها عند الله قال ابن عباس: نزلت في طائفة من بني إسرائيل همت برد الناس عن الإسلام وإضلالهم ومحاجتهم بالباطل ﴿ وعليهم غضب ولهم عذاب شديد ﴾ أي وعليهم غضب عظيم في الدنيا، وعذاب شديد في الآخرة، ﴿ الله الذي أنزل الكتاب بالحق ﴾ أي نزل القرآن وسائر الكتب الإلهية متلبسا بالصدق القاطع، والحق الساطع، في أحكامه وتشريعاته وأخباره ﴿ والميزان ﴾ أي ونزل الميزان أي العدل والإنصاف قاله ابن عباس قال المفسرون: وسمى العدل ميزانا لأن الميزان يحصل به العدل والإنصاف، فهو من تسمية الشيء باسم السبب ﴿ وما يدريك لعل الساعة قريب ﴾ أي وما ينبئك أيها المخاطب لعل وقت الساعة قريب؟ فإن الواجب على العاقل أن يحذر منها، ويستعد لها. قال أبو حيان: ووجه اتصال الآية بما سبق أن الساعة يوم الحساب فكأنه قيل: أمركم الله بالعدل والتسوية قبل أن يفاجئكم اليوم الذي يحاسبكم فيه ويزن أعمالكم ﴿ يستعجل بها الذين لا يؤمنون بها ﴾ أي يستعجل بالقيامة المشركون الذين لا يصدقون بها فيقولون على سبيل الاستهزاء: متى تكون؟ ﴿ والذين آمنوا مشفقون منها ﴾ أي والمؤمنون المصدقون بها خائفون وجلون من قيامها ﴿ ويعلمون أنها الحق ﴾ أي ويعلمون أنها كائنة وحاصلة لا محالة ﴿ ألا إن الذين يمارون في الساعة لفي ضلال بعيد ﴾ أي الذين يجادلون في أمر القيامة في ضلال بعيد عن الحق، لإنكارهم عدل الله وحكمته.

صفوة التفاسير · الصفحة ٦١٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

صفوة التفاسيرص ٦١٦