وهو الذي يتوفاكم بالليل
[الأنعام: 60] وفي الآية عطف والتقدير: ويتوفى الأنفس التي لم تمت في منامها وقال ابن كثير: أخبر تعالى بأنه المتصرف في الوجود كما يشاء، وأنه يتوفى الأنفس الوفاة الكبرى، بما يرسل من الحفظة - الملائكة - الذين يقبضونها من الأبدان، والوفاة الصغرى عند المنام ﴿ فيمسك التي قضى عليها الموت ﴾ أي فيمسك الروح التي قضى على صاحبها الموت فلا يردها إلى البدن ﴿ ويرسل الأخرى إلى أجل مسمى ﴾ أي ويرسل الأنفس النائمة إلى بدنها عند اليقظة إلى وقت محدود، هو أجل موتها الحقيقي قال ابن عباس: إن أرواح الأحياء والأموات تلتقي في المنام، فتتعارف ما شاء الله لها، فإذا أرادت الرجوع إلى أجسادها، أمسك الله أرواح الأموات عنده، وأرسل أرواح الأحياء إلى أجسادها قال القرطبي: وفي الآية تنبيه على عظيم قدرته تعالى، وانفراده بالألوهية، وأنه يحيي ويميت، ويفعل ما يشاء، لا يقدر على ذلك سواه، ولهذا قال ﴿ إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون ﴾ أي إن في هذه الأفعال العجيبة لعلامات واضحة قاطعة، على كمال قدرة الله وعلمه، لقوم يجيلون أفكارهم فيها فيعتبرون ﴿ أم اتخذوا من دون الله شفعآء ﴾ أم للإضراب أي لم يتفكروا بل اتخذوا لهم شفعاء من الأوثان والأصنام، فانظر إلى فرط جهالتهم حيث اتخذوا من لا يملك شيئا أصلا شفعاء لهم عند الله قال ابن كثير: هذا ذم للمشركين في اتخاذهم شفعاء من دون الله - وهي الأصنام - والأوثان التي اتخذوها من تلقاء أنفسهم، بلا دليل ولا برهان، وهي لا تملك شيئا من الأمر، وليس لها عقل تعقل به، ولا سمع تسمع به، ولا بصر تبصر به، بل هي جمادات أسوأ حالا بكثير من الحيوانات ﴿ قل أولو كانوا لا يملكون شيئا ولا يعقلون ﴾ الاستفهام توبيخي أي قل لهم يا محمد: أتتخذونهم شفعاء ولو كانوا على هذه الصفة جمادات لا تقدر على شيء، ولا عقل لها ولا شعور؟ ﴿ قل لله الشفاعة جميعا ﴾ أي قل لهم: الشفاعة لله وحده، لا يملكها أحد إلا الله تعالى، ولا يستطيع أحد أن يشفع إلا بإذنه ﴿ له ملك السموت والأرض ﴾ أي هو المتصرف في الملك والملكوت قال البيضاوي: أي هو تعالى مالك الملك كله، لا يملك أحد أن يتكلم في أمره دون إذنه ورضاه ﴿ ثم إليه ترجعون ﴾ أي ثم مصيركم إليه يوم القيامة، فيحكم بينكم بعدله، ويجازي كلا بعمله.
. ثم ذكر تعالى نوعا آخر من أفعالهم القبيحة فقال ﴿ وإذا ذكر الله وحده ﴾ أي وإذا أفرد الله بالذكر، ولم يذكر معه آلهتهم وقيل أمام المشركين: لا إله إلا الله ﴿ اشمأزت قلوب الذين لا يؤمنون بالآخرة ﴾ أي نفرت وانقبضت من شدة الكراهة قلوب هؤلاء المشركين ﴿ وإذا ذكر الذين من دونه إذا هم يستبشرون ﴾ أي وإذا ذكرت الأوثان والأصنام إذا هم يفرحون ويسرون قال الإمام الفخر: هذا نوع آخر من قبائح المشركين، فإنك إذا ذكرت الله وحده وقلت: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ظهرت آثار النفرة من وجوههم وقلوبهم، وإذا ذكرت الأصنام والأوثان ظهرت آثار الفرح والبشارة في قلوبهم وصدورهم، وذلك يدل على الجهل والحماقة، لأن ذكر الله رأس السعادات وعنوان الخيرات، وذكر الأصنام الجمادات رأس الجهالات والحماقات، فنفرتهم عن ذكر الله، واستبشارهم بذكر الأصنام، من أقوى الدلائل على الجهل الغليظ، والحمق الشديد ﴿ قل اللهم فاطر السموت والأرض ﴾ أي قل يا الله يا خالق ومبدع السماوات والأرض ﴿ عالم الغيب والشهادة ﴾ أي يا عالم السر والعلانية، يا من لا تخفى عليه خافية، مما هو غائب عن الأعين أو مشاهد بالأبصار ﴿ أنت تحكم بين عبادك في ما كانوا فيه يختلفون ﴾ أي أنت تفصل بين الخلائق بعدلك وقضائك، فافصل بيني وبين هؤلاء المشركين قال في البحر: لما أخبر عن سخافة عقولهم باشمئزازهم من ذكر الله، واستبشارهم بذكر الأصنام أمر رسوله أن يدعوه بأسمائه العظمى من القدرة والعلم ليفصل بينه وبين أعدائه، وفي ذلك وعيد للمشركين وتسلية للرسول عليه الصلاة والسلام وقال الصاوي: أي التجىء إلى ربك بالدعاء والتضرع فإنه القادر على كل شيء ﴿ ولو أن للذين ظلموا ﴾ أي ولو أن لهؤلاء المشركين الذين ظلموا أنفسهم بتكذيب القرآن والرسول ﴿ ما في الأرض جميعا ومثله معه ﴾ أي لو ملكوا كل ما في الأرض من أموال، وملكوا مثل ذلك معه ﴿ لافتدوا به من سوء العذاب يوم القيامة ﴾ أي لجعلوا كل ما لديهم من أموال وذخائر، فدية لأنفسهم من ذلك العقاب الشديد يوم القيامة ﴿ وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون ﴾ أي وظهر له من أنواع العقوبات ما لم يكن في حسابهم قال أبو السعود: وهذه غاية من الوعيد لا غاية وراءها، ونظيرها في الوعد