اعملوا ما شئتم
[فصلت: 40] ﴿ قل إن الخاسرين الذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة ﴾ أي حقيقة الخسران الذين خسروا أنفسهم وأهليهم، حيث صاروا إلى نار مؤبدة يصلون سعيرها يوم القيامة، فهؤلاء هم الخاسرون كل الخسران قال ابن عباس: إن لكل رجل منزلا وأهلا وخدما في الجنة، فإن أطاع الله أعطي ذلك، وإن كان من أهل النار حرم ذلك، فخسر نفسه وأهله ومنزله ﴿ ألا ذلك هو الخسران المبين ﴾ أي ألا فانتبهوا أيها القوم ذلك هو الخسران الواضح الذي ليس بعده خسران! قال أبو حيان: بالغ في بيان الخسران بأداة التنبيه " ألا " وبالإشارة إليه " ذلك " وتأكيده بأداة الحصر " هو " وتعريفه بأل ووصفه بأنه بين ﴿ الخسران المبين ﴾ أي الواضح لمن تأمله أدنى تأمل، ثم لما ذكر خسرانهم في الدنيا ذكر حالهم ومآلهم في الآخرة فقال ﴿ لهم من فوقهم ظلل من النار ومن تحتهم ظلل ﴾ أي تغشاهم نار جهنم من فوقهم ومن تحتهم، وتحيط بهم من جميع جوانبهم، ومعنى الظلل أطباق من نار جنهم، وتسميتها ظللا تهكم بهم، لأنها محرقة والظلة تقي من الحر ﴿ ذلك يخوف الله به عباده ﴾ أي ذلك العذاب الشديد الفظيع، إنما يقصه تعالى ليخوف به عباده، لينزجروا عن المحارم والمآثم ﴿ يعباد فاتقون ﴾ أي يا أوليائي خافوا عذابي ولا تتعرضوا لما يوجب سخطي، قال الزمخشري: وهذه عظة من الله تعالى لعباده ونصيحة بالغة.. والحكمة من ذكر أحوال النار تخويف المؤمنين منها ليتقوها بطاعة ربهم ﴿ والذين اجتنبوا الطاغوت أن يعبدوها ﴾ لما ذكر وعيد عبدة الأوثان، ذكر وعد أهل الفضل والإحسان، ممن احترز عن الشرك والعصيان، ليكون الوعد مقرونا بالوعيد، فيحصل كمال الترغيب والترهيب والمعنى: والذين انتهوا عن عبادة الأوثان وطاعة الشيطان، وتباعدوا عنها كل البعد قال أبو السعود: " الطاغوت " البالغ أقصى غاية الطغيان كالرحموت والعظموت، والمراد به الشيطان وصف به للمبالغة ﴿ وأنابوا إلى الله ﴾ أي رجعوا إلى طاعة الله وعبادته ﴿ لهم البشرى ﴾ أي لهم البشرى السارة من الله تعالى بالفوز العظيم بجنات النعيم ﴿ فبشر عباد * الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه ﴾ أي فبشر عبادي المتقين الذين يستمعون الحديث والكلام فيتبعون أحسن ما فيه قال ابن عباس: هو الرجل يسمع الحسن والقبيح، فيتحدث بالحسن وينكف عن القبيح فلا يتحدث به.
. وهذا ثناء من الله تعالى عليهم بنفوذ بصائرهم، وتمييزهم الأحسن من الكلام، فإذا سمعوا قولا تبصروه وعملوا بما فيه، وأحسن الكلام كلام الله وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم وإنما وضع الظاهر ﴿ فبشر عباد ﴾ بدل الضمير (فبشرهم) تشريفا لهم وتكريما بالإضافة إليه سبحانه ﴿ أولئك الذين هداهم الله ﴾ أي أولئك المتصفون بتلك الصفات الجليلة هم الذين هداهم الله لما يرضاه، ووفقهم لنيل رضاه ﴿ وأولئك هم أولوا الألباب ﴾ أي وأولئك هم أصحاب العقول السليمة، والفطر المستقيمة ﴿ أفمن حق عليه كلمة العذاب ﴾ أي أفمن وجبت له الشقاوة من الله تعالى، وجوابه محذوف دل عليه ما بعده أي هل تقدر على هدايته؟ لا ثم قال تعالى ﴿ أفأنت تنقذ من في النار ﴾؟ أي هل تستطيع يا محمد أن تنقذ من هو في الضلال والهلاك؟ قال القرطبي: كان النبي صلى الله عليه وسلم يحرص على إيمان قومه وقد سبقت لهم من الله الشقاوة فنزلت الآية، وقال ابن عباس: يريد " أبا لهب " وولده ومن تخلف من عشيرة النبي صلى الله عليه وسلم عن الإيمان، وكرر الاستفهام " أفأنت " تأكيدا لطول الكلام والمعنى: أفمن حق عليه كلمة العذاب أفأنت تنقذه؟ ﴿ لكن الذين اتقوا ربهم ﴾ أي لكن المؤمنين الأبرار، المتقون لله في الدنيا، المتمسكون بشريعته وطاعته ﴿ لهم غرف من فوقها غرف مبنية ﴾ أي لهم في الجنة درجات عالية وقصور شاهقة بعضها فوق بعض مبنية من زبرجد وياقوت ﴿ تجري من تحتها الأنهار ﴾ أي تجري من تحت قصورها وأشجارها أنهار الجنة من غير أخدود ﴿ وعد الله لا يخلف الله الميعاد ﴾ أي وعدهم الله بذلك وعدا مؤكدا لا يمكن أن يتخلف لأنه وعد العزيز القدير.