.. } فاكتفى بهذا عن ذلك ﴿ وما تأتيهم من آية من آيات ربهم إلا كانوا عنها معرضين ﴾ أي وما تأتي هؤلاء المشركين علامة من العلامات الواضحة الدالة على صدق الرسول - كالمعجزات الباهرة التي أيده الله بها - إلا أعرضوا عنها على وجه التكذيب والاستهزاء قال أبو السعود: وإضافة الآيات إلى اسم الرب جل وعلا لتفخيم شأنها، المستتبع لتهويل ما اجترءوا عليه في حقها، والمراد بالآيات إما الآيات التنزيلية التي من جملتها الآيات الناطقة ببدائع صنع الله وسوابغ آلائه، أو الآيات التكوينية الشاملة للمعجزات وغيرها من تعاجيب المصنوعات، التي من جملتها ما ذكر من شئونه الشاهدة بوحدانيته تعالى، وتفرده بالألوهية ﴿ وإذا قيل لهم أنفقوا مما رزقكم الله ﴾ أي وإذا قيل لهؤلاء الكفار بطريق النصيحة أنفقوا بعض ما أعطاكم الله من فضله على الفقراء والمساكين ﴿ قال الذين كفروا للذين آمنوا أنطعم من لو يشآء الله أطعمه ﴾ أي قال الكفار للمؤمنين تهكما بهم: أننفق أموالنا على هؤلاء المساكين الذين أفقرهم الله؟ ﴿ إن أنتم إلا في ضلال مبين ﴾ أي ما أنتم أيها المؤمنون إلا في ضلال ظاهر واضح حيث تأمروننا أن ننفق أموالنا على من أفقرهم الله قال ابن عباس: كان بمكة زنادقة فإذا أمروا بالصدقة على المساكين قالوا: لا والله لا نفعل، أيفقره الله ونطعمه نحن؟ وغرضهم الرد على المؤمنين فكأنهم يقولون: لو كان الأمر كما تزعمون أن الله قادر، وأن الله رازق لأطعم هؤلاء الفقراء، فما بالكم تطلبون إطعامهم منا؟ وما علم هؤلاء السفهاء أن خزائن الأرزاق بيد الخلاق، وأنه تعالى أغنى بعض الخلق وأفقر بعض الخلق ابتلاء، لينظر كيف عطف الغني، وكيف صبر الفقير، فقد منع الدنيا عن الفقير لا بخلا، وأمر الغني بالإنفاق عليه لا حاجة إلى ماله، ولكن للإبتلاء والله يفعل ما يشاء، لا اعتراض لأحد في مشيئته ولا في حكمه
لا يسأل عما يفعل وهم يسألون
[الأنبياء: 23] ثم أخبر عن إنكار المشركين للآخرة، واستبعادهم لقيام الساعة فقال ﴿ ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين ﴾ أي متى يوم القيامة الذي تتوعدوننا به؟ ومتى هذا العذاب الذي تخوفوننا به إن كنتم صادقين في دعواكم أن هناك بعثا ونشورا وحسابا وعذابا؟ قال تعالى ردا عليهم ﴿ ما ينظرون إلا صيحة واحدة تأخذهم ﴾ أي ما ينتظرون إلا صيحة واحدة تأخذهم مفاجأة من حيث لا يشعرون ﴿ وهم يخصمون ﴾ أي وهم يتخاصمون في معاملاتهم وأسواقهم، فلا يشعرون إلا بالصيحة قد أخذتهم، فيموتون في أماكنهم قال ابن كثير: وهذه - والله أعلم - نفخة الفزع، ينفخ إسرافيل في الصور والناس في أسواقهم ومعايشهم يختصمون ويتشاجرون على عادتهم، فبينما هم كذلك إذ أمر الله إسرافيل فنفخ في الصور نفخة يطولها ويمدها، فلا يبقى أحد على وجه الأرض إلا حنى عنقه يتسمع الصوت من قبل السماء فذلك قوله تعالى ﴿ فلا يستطيعون توصية ولا إلى أهلهم يرجعون ﴾ أي فلا يستطيع بعضهم أن يوصي بعضا بأمر من الأمور، ولا يستطيعون أن يرجعوا إلى أهلهم ومنازلهم لأن الأمر أسرع منه ذلك وفي الحديث:
" لتقومن الساعة وقد نشر الرجلان ثوبا بينهما فلا يتبايعانه ولا يطويانه، ولتقومن الساعة وهو يليط حوضه أي يصلحه بالطين فلا يسقي فيه، ولتقومن الساعة وقد رفع أكلته إلى فيه لا يطعمها "
ثم تكون هناك النفخة ثانية وهي " نفخة الصعق " التي يموت بها الأحياء كلهم ما عدا الحي القيوم، ثم تكون النفخة الثالثة وهي " نفخة البعث والنشور " التي يخرج الناس بها من القبور، وهي التي أشارت إليها الآية الكريمة ﴿ ونفخ في الصور فإذا هم من الأجداث إلى ربهم ينسلون ﴾ أي ونفخ في الصور فإذا هؤلاء الأموات يخرجون من قبورهم يسرعون المشي قال الطبري: ﴿ ينسلون ﴾ يخرجون سراعا، والنسلان: الإسراع في المشي ﴿ قالوا يويلنا من بعثنا من مرقدنا هذا ﴾؟ أي يقولون يا هلاكنا من الذي أخرجنا من قبورنا التي كنا فيها؟ قال ابن كثير: وهذا لا ينفي عذابهم في قبورهم، لأنه بالنسبة إلى ما بعده في الشدة كالرقاد، فإذا قالوا ذلك أجابتهم الملائكة أو المؤمنون ﴿ ما وعد الرحمن وصدق المرسلون ﴾ أي هذا الذي وعدكم الله به من البعث بعد الموت والحساب والجزاء، وصدق رسله الكرام فيما أخبرونا به عن الله ﴿ إن كانت إلا صيحة واحدة فإذا هم جميع لدينا محضرون ﴾ أي ما كان أمر بعثهم إلا صيحة واحدة يصيح بهم فيها إسرافيل فإذا هم جميع عندنا حاضرون قال الصاوي: وهذه الصيحة هي قول إسرافيل: أيتها العظام النخرة، والأوصال المتقطعة، والأجزاء المتفرقة، والشعور المتمزقة، إن الله يأمركن أن تجتمعن لفصل القضاء ثم ينفخ في الصور فإذا هم مجموعون في موقف الحساب ﴿ فاليوم لا تظلم نفس شيئا ولا تجزون إلا ما كنتم تعملون ﴾ أي ففي هذا اليوم يوم القيامة لا تظلم نفس شيئا، سواء كانت هذه النفس برة أو فاجرة، ولا يحمل الإنسان وزر غيره وإنما يجازى كل بعمله قال أبو السعود: هذه حكاية لما سيقال لهم في الآخرة، حين يرون العذاب المعد لهم تحقيقا للحق، وتقريعا لهم.