تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ومن كل شيء خلقنا زوجين لعلكم تذكرون

[الذاريات: 49] ﴿ وآية لهم اليل نسلخ منه النهار فإذا هم مظلمون ﴾ أي وعلامة أخرى لهم على كمال قدرتنا الليل نزيل عنه الضوء ونفصله عن النهار فإذا هم داخلون في الظلام، وفي الآية رمز إلى أن الأصل هو الظلام والنور عارض، فإذا غربت الشمس ينسلخ النهار من الليل ويكشف ويزول فيظهر الأصل وهو الظلمة ﴿ والشمس تجري لمستقر لها ﴾ أي وآية أخرى لهم الشمس تسير بقدرة الله في فلك لا تتجاوزه ولا تتخطاه لزمن تستقر فيه، ولوقت تنتهي إليه وهو يوم القيامة حيث ينقطع جريانها عند خراب العالم قال ابن كثير: وفي قوله تعالى ﴿ لمستقر لها ﴾ قولان: أحدهما: أن المراد مستقرها المكاني وهو تحت العرش مما يلي الأرض لحديث البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

" يا أبا ذر أتدري أين تغرب الشمس؟ قلت: الله ورسوله أعلم، قال: فإنها تذهب حتى تسجد تحت العرش.. "

الحديث. والثاني: أن المراد بمستقرها هو منتهى سيرها وهو يوم القيامة، حيث يبطل سيرها، وتسكن حركتها، وتكور وينتهي هذا العالم إلى غايته، وقرىء ﴿ لا مستقر لها ﴾ أي لا قرار لها ولا سكون، بل هي سائرة ليلا ونهارا، لا تفتر ولا تقف ﴿ ذلك تقدير العزيز العليم ﴾ أي ذلك الجري والدوران بانتظام وبحساب دقيق هو تقدير الإله العزيز في ملكه، العليم بخلقه ﴿ والقمر قدرناه منازل ﴾ أي والقمر قدرنا مسيره في منازل يسير فيها لمعرفة الشهور، وهي ثمانية وعشرون منزلا في ثمانية وعشرين ليلة، ينزل كل ليلة في واحد منها لا يتخطاها ولا يتعداها، فإذا كان في آخر منازله دق واستقوس ﴿ حتى عاد كالعرجون القديم ﴾ أي حتى صار كغصن النخل اليابس، وهو عنقود التمر حين يجف ويصفر ويتقوس قال ابن كثير: جعل الله القمر لمعرفة الشهور، كما جعل الشمس لمعرفة الليل والنهار، وفاوت بين سير الشمس وسير القمر، فالشمس تطلع كل يوم وتغرب في آخره، وتنتقل في مطالعها ومغاربها صيفا وشتاء، يطول بسبب ذلك النهار ويقصر الليل، ثم يطول الليل ويقصر النهار، وهي كوكب نهاري، وأما القمر فقدره منازل يطلع في أول ليلة من الشهر ضئيلا قليل النور، ثم يزداد نورا في الليلة الثانية ويرتفع منزلة، ثم كلما ارتفع ازداد ضياؤه حتى يتكامل نوره في الليلة الرابعة عشرة، ثم يشرع في النقص إلى آخر الشهر حتى يصير كالعرجون القديم قال مجاهد: أي العذق اليابس وهو عنقود الرطب إذا عتق ويبس وانحنى، ثم يبدأ جديدا في أول الشهر الآخر ﴿ لا الشمس ينبغي لهآ أن تدرك القمر ﴾ أي لا يمكن للشمس ولا يصح لها أن تجتمع مع القمر بالليل فتمحو نوره، لأن ذلك يخل بتلوين النبات، ومصلحة العباد قال الطبري: أي لا الشمس يصلح لها إدراك القمر، فيذهب ضوءها نوره فتكون الأوقات كلها نهارا لا ليل فيها ﴿ ولا اليل سابق النهار ﴾ أي ولا الليل يسبق النهار حتى يدركه فيذهب بضيائه فتكون الأوقات كلها ليلا ﴿ وكل في فلك يسبحون ﴾ أي وكل من الشمس والقمر والنجوم تدور في فلك السماء قال الحسن: الشمس والقمر والنجوم في فلك بين السماء والأرض، غير ملصقة بشيء ولو كانت ملصقة ما جرت والغرض من الآية: بيان قدرة الله في تسيير هذا الكون بنظام دقيق، فالشمس لها مدار، والقمر له مدار، وكل كوكب من الكواكب له مدار لا يتجاوزه في جريانه أو دورانه، ولا يطغى أحدهما على الآخر - كما قال قتادة: " لكل حد وعلم لا يعدوه، ولا يقصر دونه " - حتى يأتي الأجل المعلوم بخراب العالم، فيجمع الله بين الشمس والقمر كما قال تعالى

وجمع الشمس والقمر

[القيامة: 9] فيختل نظام الكون، وتقوم القيامة، وتنتهي حياة البشرية عن سطح هذا الكوكب الأرضي ﴿ وآية لهم أنا حملنا ذريتهم في الفلك المشحون ﴾ أي وعلامة أخرى واضحة للناس على كمال قدرتنا أننا حملنا آباءهم الأقدمين - وهم ذرية آدم - في سفينة نوح عليه السلام التي أمره الله أن يحمل فيها من كل زوجين اثنين قال في التسهيل: وإنما خص ذريتهم بالذكر، لأنه أبلغ في الامتنان عليهم، ولأن فيه إشارة إلى حمل أعقابهم إلى يوم القيامة ﴿ وخلقنا لهم من مثله ما يركبون ﴾ أي وخلقنا لهم من مثل سفينة نوح السفن العظيمة التي يركبونها ويبلغون عليها أقصى البلدان، وإنما نسب الخلق إليه لأنها بتعليم الله جل وعلا للإنسان وقال ابن عباس: هي الإبل وسائر المركوبات، فهي في البر مثل السفن في البحر ﴿ وإن نشأ نغرقهم فلا صريخ لهم ﴾ ولو أردنا لأغرقناهم في البحر فلا مغيث لهم ﴿ ولا هم ينقذون ﴾ أي ولا أحد يستطيع أن ينقذهم من الغرق ﴿ إلا رحمة منا ومتاعا إلى حين ﴾ أي لا ينقذهم أحد إلا نحن لأجل رحمتنا إياهم، وتمتيعنا لهم إلى انقضاء آجالهم.. بين تعالى أن ركوبهم السفن في البحر من الآيات العظيمة، فإن سير السفينة بما فيها من الرجال والأثقال فوق سطح الماء آية باهرة فقد حملتهم قدرة الله ونواميسه التي تحكم الكون وتصرفه بحكم خواص السفن، وخواص الماء، وخواص الريح، وكلها من أمر الله وخلقه وتقديره، والسفينة في البحر الخضم كالريشة في مهب الهواء، وإلا تدركها رحمة الله فهي هالكة في لحظة من ليل أو نهار، والذين ركبوا البحار، وشاهدوا الأخطار، يدركون هول البحر المخيف، ويحسون معنى رحمة الله وأنها وحدها هي المنجي لهم من بين العواصف والتيارات، في هذا الخضم الهائل الذي تمسكه يد الرحمة ويعرفون معنى قوله تعالى ﴿ إلا رحمة منا ﴾ فسبحان الله القدير الرحيم!! ﴿ وإذا قيل لهم اتقوا ما بين أيديكم وما خلفكم لعلكم ترحمون ﴾ لما ذكرهم تعالى بدلائل قدرته، وآثار رحمته، أخبر هنا عن تعاميهم عن الحق، وإعراضهم عن الهدى والإيمان، مع كثرة الآيات الواضحات، والشواهد الباهرات والمعنى وإذا قيل للمشركين احذروا سخط الله وغضبه، واعتبروا بما حل بالأمم السابقين قبلكم من العذاب بسبب تكذيبهم الرسل، واحذروا ما وراءكم من عذاب الآخرة لكي ترحموا، وجواب الشرط محذوف تقديره أعرضوا واستكبروا ودل عليه قوله تعالى ﴿ إلا كانوا عنها معرضين ﴾ قال القرطبي: والجواب محذوف والتقدير: إذا قيل لهم ذلك أعرضوا، ودليله الآية التي بعدها { وما تأتيهم من آية.

صفوة التفاسير · الصفحة ٥٦٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

صفوة التفاسيرص ٥٦٢