تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

. ثم ذكر تعالى دلائل قدرته ووحدانيته فقال ﴿ إن الله يمسك السموت والأرض أن تزولا ﴾ أي هو جل وعلا بقدرته وبديع حكمته، يمنع السماوات والأرض من الزوال، والسقوط، والوقوع كما قال تعالى

ويمسك السمآء أن تقع على الأرض إلا بإذنه

[الحج: 65] قال القرطبي: لما بين أن آلهتهم لا تقدر على خلق شيء من السماوات والأرض، بين أن خالقهما وممسكهما هو الله، فلا يوجد حادث إلا بإيجاده، ولا يبقى إلا ببقائه ﴿ ولئن زالتآ إن أمسكهما من أحد من بعده ﴾ أي ولئن زالتا عن أماكنهما فرضا ما أمسكهما أحد بعد الله، بمعنى أنه لا يستطيع أحد على إمساكهما، إنما هما قائمتان بقدرة الواحد القهار ﴿ إنه كان حليما غفورا ﴾ أي إنه تعالى حليم لا يعاجل العقوبة للكفار مع استحقاقهم لها، واسع المغفرة والرحمة لمن تاب منهم وأناب ﴿ وأقسموا بالله جهد أيمانهم ﴾ أي حلف المشركون بالله أشد الأيمان وأبلغها قال الصاوي: كانوا يحلفون بآبائهم وأصنامهم فإذا أرادوا التأكيد والتشديد حلفوا بالله ﴿ لئن جآءهم نذير ﴾ أي لئن جاءهم رسول منذر ﴿ ليكونن أهدى من إحدى الأمم ﴾ أي ليكونن أهدى من جميع الأمم الذين أرسل الله إليهم الرسل من أهل الكتاب قال أبو السعود: بلغ قريشا قبل مبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أهل الكتاب كذبوا رسلهم فقالوا: لعن الله اليهود والنصارى، أتتهم الرسل فكذبوهم، فوالله لئن أتانا رسول لنكونن أهدى من اليهود والنصارى وغيرهم ﴿ فلما جآءهم نذير ﴾ أي فلما جاءهم محمد صلى الله عليه وسلم أشرف المرسلين ﴿ ما زادهم إلا نفورا ﴾ أي ما زادهم مجيئه إلا تباعدا عن الهدى والحق وهربا منه ﴿ استكبارا في الأرض ومكر السيىء ﴾ أي نفروا منه بسبب استكبارهم عن اتباع الحق، وعتوهم وطغيانهم في الأرض، ومن أجل المكر السيء بالرسول وبالمؤمنين، ليفتنوا ضعفاء الإيمان عن دين الله قال أبو حيان: أي سبب النفور هو الاستكبار والمكر السيء يعني أن الحامل لهم على الابتعاد من الحق هو الاستكبار، والمكر السيء وهو الخداع الذي يرومونه برسول الله صلى الله عليه وسلم والكيد له، قال تعالى ردا عليهم ﴿ ولا يحيق المكر السيىء إلا بأهله ﴾ أي ولا يحيط وبال المكر السيء إلا بمن مكره ودبره كقولهم " من حفر حفرة لأخيه وقع فيها " ﴿ فهل ينظرون إلا سنت الأولين ﴾ أي فهل ينتظر هؤلاء المشركون إلا عادة الله وسنته في الأمم المتقدمة، من تعذيبهم وإهلاكهم بتكذيبهم للرسل؟ ﴿ فلن تجد لسنت الله تبديلا ﴾ أي لن تتغير ولن تتبدل سنته تعالى في خلقه ﴿ ولن تجد لسنت الله تحويلا ﴾ أي ولا يستطيع أحد أن يحول العذاب عنهم إلى غيرهم، قال القرطبي: أجرى الله العذاب على الكفار، فلا يقدر أحد أن يبدل ذلك، ولا أن يحول العذاب عن نفسه إلى غيره، والسنة هي الطريقة.

. ثم حثهم تعالى على مشاهدة آثار من قبلهم من المكذبين ليعتبروا فقال ﴿ أولم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم ﴾؟ أولم يسافروا ويمروا على القرى المهلكة فيروا آثار دمار الأمم الماضية حين كذبوا رسلهم ماذا صنع الله بهم؟ ﴿ وكانوا أشد منهم قوة ﴾ أي وكانوا أقوى من أهل مكة أجسادا، وأكثر منهم أموالا وأولادا ﴿ وما كان الله ليعجزه من شيء في السموات ولا في الأرض ﴾ أي أنه سبحانه لا يفوته شيء، ولا يصعب عليه أمر في هذا الكون ﴿ إنه كان عليما قديرا ﴾ أي بالغ العلم والقدرة، عالم بشئون الخلق، قادر على الانتقام ممن عصاه ﴿ ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا ما ترك على ظهرها من دآبة ﴾ بيان لحلم الله ورحمته بعباده أي لو آخذهم بجميع ذنوبهم ما ترك على ظهر الأرض أحدا يدب عليها من إنسان أو حيوان قال ابن مسعود: يريد جميع الحيوان مما دب ودرج ﴿ ولكن يؤخرهم إلى أجل مسمى ﴾ أي ولكنه تعالى من رحمته بعباده، ولطفه بهم، يمهلهم إلى زمن معلوم وهو يوم القيامة فلا يعجل لهم العذاب ﴿ فإذا جآء أجلهم فإن الله كان بعباده بصيرا ﴾ أي فإذا جاء ذلك الوقت جازاهم بأعمالهم، إن خيرا فخير، وإن شرا فشر، لأنه تعالى العالم بشئونهم المطلع على أحوالهم قال ابن جرير: بصيرا بمن يستحق العقوبة، وبمن يستوجب الكرامة، وفي الآية وعيد للمجرمين ووعد للمتقين.

صفوة التفاسير · الصفحة ٥٥٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

صفوة التفاسيرص ٥٥٦