. ولما ذكر تعالى حال السعداء الأبرار، ذكر حال الأشقياء الفجار فقال ﴿ والذين كفروا لهم نار جهنم ﴾ أي والذين جحدوا بآيات الله وكذبوا رسله فإن لهم نار جهنم المستعرة جزاء وفاقا على كفرهم ﴿ لا يقضى عليهم فيموتوا ﴾ أي لا يحكم عليهم بالموت فيها حتى يستريحوا من عذاب النار ﴿ ولا يخفف عنهم من عذابها ﴾ أي ولا يخفف عنهم شيء من العذاب، بل هم في عذاب دائم مستمر لا ينقطع كقوله
كلما خبت زدناهم سعيرا
[الإسراء: 97] ﴿ كذلك نجزي كل كفور ﴾ أي مثل ذلك العذاب الشديد الفظيع، نجازي ونعاقب كل مبالغ في الكفر والعصيان ﴿ وهم يصطرخون فيها ربنآ أخرجنا نعمل صالحا غير الذي كنا نعمل ﴾ أي وهم يتصارخون في جهنم ويستغيثون برفع أصواتهم قائلين: ربنا أخرجنا من النار وردنا إلى الدنيا لنعمل عملا صالحا يقربنا منك، غير الذي كنا نعمله قال القرطبي: أي نؤمن بدل الكفر، ونطيع بدل المعصية، ونمتثل أمر الرسل.. وفي قولهم ﴿ غير الذي كنا نعمل ﴾ اعتراف بسوء عملهم، وتندم عليه وتحسر، قال تعالى ردا عليهم وموبخا لهم ﴿ أولم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر ﴾ أي أولم نترككم ونمهلكم في الدنيا عمرا مديدا يكفي لأن يتذكر فيه من يريد التذكر والتفكر؟ فماذا صنعتم في هذه المدة التي عشتموها؟ وما لكم تطلبون عمرا آخر؟ وفي الحديث
" أعذر الله إلى امرىء أخر أجله حتى بلغ ستين سنة "
ومعنى " أعذر " أي بلغ به أقصى العذر ﴿ وجآءكم النذير ﴾ أي وجاءكم الرسول المنذر وهو محمد صلى الله عليه وسلم الذي بعث بين يدي الساعة، وقيل: ﴿ النذير ﴾ هو الشيب، والأول أظهر ﴿ فذوقوا فما للظالمين من نصير ﴾ أي فذوقوا العذاب يا معشر الكافرين، فليس لكم اليوم ناصر ولا معين يدفع عنكم عذاب الله قال الإمام الفخر: والأمر أمر إهانة ﴿ فذوقوا ﴾ وفيه إشارة إلى الدوام، وإنما وضع الظاهر ﴿ للظالمين ﴾ موضع الضمير " لكم " لتسجيل الظلم عليهم، وأنهم بكفرهم وظلمهم ليس لهم نصير أصلا لا من الله ولا من العباد، ثم قال تعالى ﴿ إن الله عالم غيب السموت والأرض ﴾ أي هو تعالى العالم الذي أحاط علمه بكل ما خفي في الكون من غيب السماوات والأرض، لا يخفى عليه شأن من شئونهما ﴿ إنه عليم بذات الصدور ﴾ أي يعلم جل وعلا مضمرات الصدور، وما تخفيه من الهواجس والوساوس، فكيف لا يعلم أعمالهم الظاهرة؟ قال المفسرون: والجملة لتأكيد ما سبق من دوام عذاب الكفار في النار، لأن الله تعالى يعلم من الكافر أنه تمكن الكفر في قلبه بحيث لو دام في الدنيا إلى الأبد ما آمن بالله ولا عبده، فالعذاب الأبدي مساو لكفرهم الأبدي، فلا ظلم ولا زيادة
ولا يظلم ربك أحدا
[الكهف: 49] قال القرطبي: والمعنى في الآية علم أنه لو ردكم إلى الدنيا لم تعملوا صالحا كما قال تعالى
ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه
[الأنعام: 28] ﴿ هو الذي جعلكم خلائف في الأرض ﴾ أي هو تعالى جعلكم أيها الناس خلائف في الأرض، بعد عاد وثمود ومن مضى قبلكم من الأمم، تخلفونهم في مساكنهم جيلا بعد جيل، وقرنا بعد قرن ﴿ فمن كفر فعليه كفره ﴾ أي فمن كفر بالله فعليه وبال كفره، لا يضر بذلك إلا نفسه ﴿ ولا يزيد الكافرين كفرهم عند ربهم إلا مقتا ﴾ أي ولا يزيدهم كفرهم إلا طردا من رحمة الله وبعدا وبغضا شديدا من الله ﴿ ولا يزيد الكافرين كفرهم إلا خسارا ﴾ أي ولا يزيدهم كفرهم إلا هلاكا وضلالا وخسران العمر الذي ما بعده شر وخسار!! قال أبو حيان: وفي الآية تنبيه على أنه تعالى استخلفهم بدل من كان قبلهم، فلم يتعظوا بحال من تقدمهم من المكذبين للرسل وما حل بهم من الهلاك، ولا اعتبروا بمن كفر، ولا اتعظوا بمن تقدم، والمقت أشد الاحتقار والبغض، والخسار خسار العمر، كأن العمر رأس مال الإنسان فإذا انقضى في غير طاعة الله فقد خسره، واستعاض به بدل الربح سخط الله وغضبه، بحيث صار إلى النار المؤبدة، ثم وبخ تعالى المشركين في عبادتهم ما لا يسمع ولا ينفع فقال ﴿ قل أرأيتم شركآءكم الذين تدعون من دون الله ﴾؟ قال الزمخشري: ﴿ أرأيتم ﴾ معناها أخبروني كأنه قال: أخبروني عن هؤلاء الشركاء وعما استحقوا به الإلهية والشركة، ومعنى الآية: قل يا محمد تبكيتا لهؤلاء المشركين: أخبروني عن شأن آلهتكم - الأوثان والأصنام - الذين عبدتموهم من دون الله، وأشركتموهم معه في العبادة، بأي شيء استحقوا هذه العبادة؟ ﴿ أروني ماذا خلقوا من الأرض ﴾ أي أروني أي شيء خلقوه في هذه الدنيا من المخلوقات حتى عبدتموهم من دون الله؟ ﴿ أم لهم شرك في السموت ﴾ أي أم شاركوا الله في خلق السماوات فاستحقوا بذلك الشركة معه في الألوهية؟ ﴿ أم آتيناهم كتابا فهم على بينة منه ﴾ أي أم أنزلنا عليهم كتابا ينطق بأنهم شركاء الله فهم على بصيرة وحجة وبرهان في عبادة الأوثان ﴿ بل إن يعد الظالمون بعضهم بعضا إلا غرورا ﴾ إضراب عن السابق وبيان للسبب الحقيقي أي إنما اتخذوهم آلهة بتضليل الرؤساء للأتباع بقولهم: الأصنام تشفع لهم، وهو غرور باطل وزور قال أبو السعود: لما نفى أنواع الحجج أضرب عنه بذكر ما حملهم عليه، وهو تغرير الأسلاف للأخلاف، وإضلال الرؤساء للأتباع بأنهم يشفعون لهم عند الله.