. ثم لما عدد آيات الله، وأعلام قدرته، وآثار صنعه، وما خلق من الفطر المختلفة الأجناس أتبع ذلك بقوله ﴿ إنما يخشى الله من عباده العلماء ﴾ أي إنما يخشاه تعالى العلماء لأنهم عرفوه حق معرفته، قال ابن كثير: أي إنما يخشاه حق خشيته العلماء العارفون به، لأنه كلما كانت المعرفة للعظيم القدير أتم، والعلم به أكمل، كانت الخشية له أعظم وأكثر ﴿ إن الله عزيز غفور ﴾ أي غالب على كل شيء بعظمته، غفور لمن تاب وأناب من عباده، ثم أخبر عن صفات هؤلاء الذين يخافون الله ويرجون رحمته فقال ﴿ إن الذين يتلون كتاب الله ﴾ أي يدامون على تلاوة القرآن آناء الليل وأطراف النهار ﴿ وأقاموا الصلاة ﴾ أي أدوها على الوجه الأكمل في أوقاتها، بخشوعها وآدابها، وشروطها وأركانها ﴿ وأنفقوا مما رزقناهم سرا وعلانية ﴾ أي وأنفقوا بعض أموالهم في سبيل الله وابتغاء رضوانه في السر والعلن ﴿ يرجون تجارة لن تبور ﴾ أي يرجون بعملهم هذا تجارة رابحة، لن تكسد ولن تهلك بالخسران أبدا ﴿ ليوفيهم أجورهم ويزيدهم من فضله ﴾ أي ليوفيهم الله جزاء أعمالهم، وثواب ما فعلوا من صالح الأعمال، ويزيدهم - فوق أجورهم - من فضله وإنعامه وإحسانه قال في التسهيل: توفية الأجور هو ما يستحقه المطيع من الثواب، والزيادة: التضعيف فوق ذلك أو النظر إلى وجه الله ﴿ إنه غفور شكور ﴾ أي مبالغ في الغفران لأهل القرآن، شاكر لطاعتهم قال ابن كثير: كان مطرف إذا قرأ هذه الآية قال: هذه آية القراء ﴿ والذي أوحينآ إليك من الكتاب هو الحق ﴾ أي والذي أوحيناه إليك يا محمد من الكتاب المنزل - القرآن العظيم - هو الحق الذي لا شك فيه، ولا ريب في صدقه ﴿ مصدقا لما بين يديه ﴾ أي حال كونه مصدقا لما سبقه من الكتب الإلهية المنزلة كالتوارة والإنجيل والزبور قال أبو حيان: وفي الآية إشارة إلى كونه وحيا، لأنه عليه السلام لم يكن قارئا ولا كاتبا وأتى ببيان ما في كتب الله، ولا يكون ذلك إلا من الله ﴿ إن الله بعباده لخبير بصير ﴾ أي هو جل وعلا خبير بعباده محيط ببواطن أمورهم وظواهرها، بصير بهم لا تخفى عليه خافية من شؤونهم.
البلاغة: تضمنت الآيات الكريمة وجوها من البيان والبديع نوجزها فيما يلي:
1 الطباق بين ﴿ يذهب..و.. يأت ﴾ وبين ﴿ الأعمى..و.. البصير ﴾ و ﴿ الظلمات..و.. النور ﴾ و ﴿ الظل..و.. الحرور ﴾ و ﴿ الأحيآء..و.. الأموات ﴾ وبين ﴿ نذيرا.. وبشيرا ﴾ وبين ﴿ سرا.. وعلانية ﴾.
2 جناس الاشتقاق ﴿ ولا تزر وازرة ﴾ ﴿ حملها لا يحمل منه شيء ﴾.
3 الاستعارة التصريحية ﴿ وما يستوي الأعمى والبصير.. ﴾ الآية شبه الكافر بالأعمى، والمؤمن بالبصير بجامع ظلام الطريق وعدم الاهتداء على الكافر، ووضوح الرؤية والاهتداء للمؤمن، ثم استعار المشبه به ﴿ الأعمى ﴾ للكافر، واستعار ﴿ والبصير ﴾ للمؤمن بطريق الاستعارة التصريحية.
4 الالتفات من الغيبة إلى التكلم ﴿ أنزل من السمآء مآء فأخرجنا ﴾ بدل فأخرجنا لما في ذلك من الفخامة ولبيان كمال العناية بالفعل، لما فيه من الصنع البديع، المنبىء عن كمال قدرة الله وحكمته.
5 قصر صفة على موصوف ﴿ إنما يخشى الله من عباده العلماء ﴾ فقد قصر الخشية على العلماء.
6 الاستفهام التقريري وفيه معنى التعجب ﴿ ألم تر أن الله أنزل من السمآء مآء.. ﴾ الآية.
7 الاستعارة ﴿ يرجون تجارة لن تبور ﴾ استعار التجارة للمعاملة مع الله تعالى لنيل ثوابه، وشبهها بالتجارة الدنيوية وهي معاملة الخلق بالبيع والشراء لنيل الربح ثم رشحها بقوله ﴿ لن تبور ﴾.
8 توافق الفواصل مما يزيد في جمال الكلام ورونقه ووقعه في النفس مثل ﴿ يرجون تجارة لن تبور ﴾ ﴿ إنه غفور شكور ﴾ ومثل ﴿ وبالكتاب المنير ﴾ ﴿ فكيف كان نكير ﴾ وهكذا.