لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة
[الحشر: 20] ثم أكد ذلك فقال ﴿ وما يستوي الأحيآء ولا الأموات ﴾ أي كما لا يستوي العقلاء والجهلاء قال أبو حيان: وترتيب هذه الأشياء في بيان عدم الاستواء جاء في غاية الفصاحة، فقد ذكر الأعمى والبصير مثلا للمؤمن والكافر، فذكر ما عليه الكافر من ظلمة الكفر، وما عليه المؤمن من نور الإيمان، ثم ذكر مآلهما وهو الظل والحرور، فالمؤمن بإيمانه في ظل وراحة، والكافر بكفره في حر وتعب، ثم ذكر مثلا آخر على أبلغ وجه وهي الحي والميت، فالأعمى قد يكون فيه بعض النفع بخلاف الميت، وجمع الظلمات لأن طرق الكفر متعددة، وأفرد النور لأن التوحيد والحق واحد لا يتعدد، وقدم الأشرف في المثلين الأخيرين وهما " الظل، والحي " وقدم الأوضح في المثلين الأولين وهما " الأعمى، والظلمات " ليظهر الفرق جليا، ولا يقال ذلك لأجل السجع لأن معجرة القرأن ليست في مجرد اللفظ، بل في المعنى أيضا، فلله سر القرآن، ثم زاد في الإيضاح والبيان فقال ﴿ إن الله يسمع من يشآء ومآ أنت بمسمع من في القبور ﴾ أي إن الله يسمع من يشاء إسماعه دعوة الحق، فيحببه بالإيمان ويشرح صدره للإسلام، وما أنت يا محمد بمسمع هؤلاء الكفار، لأنهم أموات القلوب لا يدركون ولا يفقهون قال ابن الجوزي: أراد بمن في القبور الكفار، وشبههم بالموتى، أي فكما لا يقدر أن يسمع من في القبور كتاب الله وينتفع بمواعظه، فكذلك من كان ميت القلب لا ينتفع بما يسمع ﴿ إن أنت إلا نذير ﴾ أي ما أنت إلا رسول منذر، تخوف هؤلاء الكفار من عذاب النار ﴿ إنآ أرسلناك بالحق بشيرا ونذيرا ﴾ أي بعثناك بالهدى ودين الحق، بشيرا للمؤمنين ونذيرا للكافرين ﴿ وإن من أمة إلا خلا فيها نذير ﴾ أي ما من أمة من الأمم في العصور والأزمنة الخالية إلا وقد جاءها رسول ﴿ وإن يكذبوك فقد كذب الذين من قبلهم ﴾ تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم للتأسي بالأنبياء في الصبر على تحمل الأذى والبلاء، قال الطبري: أي وإن يكذبك يا محمد هؤلاء المشركون من قومك فقد كذب الذين من قبلهم من الأمم السابقة رسلهم ﴿ جآءتهم رسلهم بالبينات ﴾ أي جاءتهم الرسل بالمعجزات البينات، والحجج الواضحات فكذبوهم وأنكروا ما جاؤوا به من عند الله ﴿ وبالزبر وبالكتاب المنير ﴾ أي وجاءوهم بالزبر أي الصحف المنزلة على الأنبياء، وبالكتب السماوية المقدسة المنيرة الموضحة وهي أربعة: " التوراة، والإنجيل، والزبور، والفرقان " ومع ذلك كذبوهم وردوا عليهم رسالتهم فاصبر كما صبروا ﴿ ثم أخذت الذين كفروا ﴾ أي ثم بعد إمهالهم أخذت هؤلاء الكفار بالهلاك والدمار ﴿ فكيف كان نكير ﴾ أي فكيف كانت عقوبتي لهم وإنكاري عليهم؟ ألم آخذهم أخذ عزيز مقتدر؟ ألم أبدل نعمتهم نقمة، وسعادتهم شقاوة، وعمارتهم خرابا؟ وهكذا أفعل بمن كذب رسلي، ثم عاد إلى تقرير وحدانية الله بالأدلة السماوية والأرضية فقال ﴿ ألم تر أن الله أنزل من السمآء مآء ﴾ أي ألم تر أيها المخاطب أن الله العظيم الكبير الجليل أنزل من السحاب المطر بقدرته؟ ﴿ فأخرجنا به ثمرات مختلفا ألوانها ﴾ أي فأخرجنا بذلك الماء أنواع النباتات والفواكه والثمار، المختلفات الأشكال والألوان والطعوم قال الزمخشري: أي مختلف أجناسها من الرمان والتفاح والتين والعنب وغيرها مما لا يحصر، أو هيئاتها من الحمرة والصفرة والخضرة ونحوها ﴿ ومن الجبال جدد بيض وحمر مختلف ألوانها ﴾ أي وخلق الجبال كذلك فيها الطرائق المختلفة الألوان - وإن كان الجميع حجرا أو ترابا - فمن الجبال جدد - أي طرائق - مختلفة الألوان، بيض مختلفة البياض، وحمر مختلفة في حمرتها ﴿ وغرابيب سود ﴾ أي وجبال سود غرابيب أي شديدة السواد، قال ابن جزي: قدم الوصف الأبلغ وكان حقه أن يتأخر، وذلك لقصد التأكيد وكثيرا ما يأتي مثل هذا في كلام العرب، والغرض بيان قدرته تعالى، فليس اختلاف الألوان قاصرا على الفواكه والثمار بل إن في طبقات الأرض وفي الجبال الصلبة ما هو أيضا مختلف الألوان، حتى لتجد الجبل الواحد ذا ألوان عجيبة، وفيه عروق تشبه المرجان، ولا سيما في صخور " المرمر " فسبحان القادر على كل شيء ﴿ ومن الناس والدوآب والأنعام مختلف ألوانه كذلك ﴾ أي وخلق من الناس، والدواب، والأنعام، خلقا مختلفا ألوانه كاختلاف الثمار والجبال، فهذا أبيض، وهذا أحمر، وهذا أسود، والكل خلق الله فتبارك الله أحسن الخالقين.