تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

" قلت يا رسول الله: كيف يحيي الله الموتى؟ وما آية ذلك في خلقه؟ فقال: " أما مررت بوادي أهلك ممحلا، ثم مررت به يهتز خضرا؟ قلت: نعم يا رسول الله، قال: فكذلك يحيي الله الموتى، وتلك آيته في خلقه " "

قال ابن كثير: كثيرا ما يستدل تعالى على المعاد بإحيائه الأرض بعد موتها، فإن الأرض تكون ميتة هامدة لا نبات فيها، فإذا أرسل الله إليها السحاب تحمل الماء وأنزله عليها

اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج

[الحج: 5] كذلك الأجساد إذا أراد الله بعثها ونشورها، ثم نبه تعالى عباده إلى السبيل الذي تنال به العزة فقال ﴿ من كان يريد العزة فلله العزة جميعا ﴾ أي من كان يطلب العزة الكاملة، والسعادة الشاملة، فليطلبها من الله تعالى وحده، فإن العزة كلها لله جل وعلا قال بعض العارفين: من أراد عز الدارين فليطع العزيز ﴿ إليه يصعد الكلم الطيب ﴾ أي إليه جل وعلا يرتفع كل كلام طيب من ذكر، ودعاء، وتلاوة قرآن، وتسبيح وتمجيد ونحوه قال الطبري: إلى الله يصعد ذكر العبد إياه وثناؤه عليه ﴿ والعمل الصالح يرفعه ﴾ أي والعمل الصالح يتقبله الله تعالى ويثيب صاحبه عليه قال قتادة: لا يقبل الله قولا إلا بعمل، من قال وأحسن العمل قبل الله منه، نقله الطبري ﴿ والذين يمكرون السيئات لهم عذاب شديد ﴾ هذا بيان للكلم الخبيث بعد بيان حال الكلام الطيب أي والذين يحتالون بالمكر والخديعة لإطفاء نور الله، والكيد للإسلام والمسلمين، لهم في الآخرة عذاب شديد في نار جهنم ﴿ ومكر أولئك هو يبور ﴾ أي ومكر أولئك المجرمين هالك وباطل، لأنه ما أسر أحد سوءا ودبره إلا أبداه الله وأظهره

ولا يحيق المكر السيىء إلا بأهله

[فاطر: 43] قال المفسرون: والإشارة هنا إلى مكر قريش برسول الله صلى الله عليه وسلم حين اجتمعوا في دار الندوة وأرادوا أن يقتلوه، أو يحبسوه، أو يخرجوه كما حكى القرآن الكريم

وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك

[الأنفال: 30] ثم ذكرهم تعالى بدلائل التوحيد والبعث، بعد أن ذكرهم بآيات قدرته وعزته فقال ﴿ والله خلقكم من تراب ﴾ أي خلق أصلكم وهو آدم من تراب ﴿ ثم من نطفة ﴾ أي ثم خلق ذريته من ماء مهين وهو المني الذي يصب في الرحم ﴿ ثم جعلكم أزواجا ﴾ أي خلقكم ذكورا وإناثا، وزوج بعضكم من بعض ليتم البقاء في الدنيا إلى انقضائها قال الطبري: أي زوج منهم الأنثى من الذكر ﴿ وما تحمل من أنثى ولا تضع إلا بعلمه ﴾ أي وما تحمل أنثى في بطنها من جنين، ولا تلد إلا بعلمه تعالى، يعلم أذكر هو أو أنثى، ويعلم أطوار هذا الجنين في بطن أمه، لا يخفى عليه شيء من أحواله ﴿ وما يعمر من معمر ولا ينقص من عمره إلا في كتاب ﴾ أي وما يطول عمر أحد من الخلق فيصبح هرما، ولا ينقص من عمر أحد فيموت وهو صغير أو شاب إلا وهو مسجل في اللوح المحفوظ، لا يزاد فيما كتب الله ولا ينقص ﴿ إن ذلك على الله يسير ﴾ أي سهل هين، لأن الله قد أحاط بكل شيء علما، ثم ضرب تعالى مثلا للمؤمن والكافر فقال: ﴿ وما يستوي البحران ﴾ أي وما يستوي ماء البحر وماء النهر ﴿ هذا عذب فرات سآئغ شرابه ﴾ أي هذا ماء حلو شديد الحلاوة يكسر وهج العطش، ويسهل انحداره في الحلق لعذوبته ﴿ وهذا ملح أجاج ﴾ أي وهذا ماء شديد الملوحة، يحرق حلق الشارب لمرارته وشدة ملوحته، فكما لا يتساوى البحران: العذب، والملح، فكذلك لا يتساوى المؤمن مع الكافر، ولا البر مع الفاجر، قال أبو السعود: هذا مثل ضرب للمؤمن والكافر، والفرات الذي يكسر العطش، والسائغ الذي يسهل انحداره لعذوبته، والأجاج الذي يحرق بملوحته ﴿ ومن كل تأكلون لحما طريا ﴾ أي وما كل واحد منهما تأكلون سمكا غضا طريا، مختلف الأنواع والطعوم والأشكال ﴿ وتستخرجون حلية تلبسونها ﴾ أي وتستخرجون منهما اللؤلؤ والمرجان للزينة والتحلي ﴿ وترى الفلك فيه مواخر ﴾ أي وترى أيها المخاطب السفن العظيمة، تمخر عباب البحر مقبلة ومدبرة، تحمل على ظهرها الأثقال والبضائع والرجال، وهي لا تغرق فيه لأنها بتسخير الله جل وعلا ﴿ لتبتغوا من فضله ﴾ أي لتطلبوا بركوبكم هذه السفن العظيمة من فضل الله بأنواع التجارات، والسفر إلى البلدان البعيدة في مدة قريبة ﴿ ولعلكم تشكرون ﴾ أي ولكي تشكروا ربكم على إنعامه وإفضاله في تسخيره ذلك لكم، ثم انتقل إلى آية آخرى من آيات قدرته وسلطانه في الآفاق فقال ﴿ يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل ﴾ أي يدخل الليل في النهار، ويدخل النهار في الليل، فيضيف من هذا إلى هذا وبالعكس، فيتفاوت بذلك طول الليل والنهار بالزيادة والنقصان، حسب الفصول والأمصار، حتى يصل النهار صيفا - في بعض البلدان - إلى ستة عشرة ساعة، وينقص الليل حتى يصل إلى ثمان ساعات - آية من آيات الله تشاهد لا يستطيع إنكارها جاحد أو مؤمن، ويحس بآثارها الأعمى والبصير.

صفوة التفاسير · الصفحة ٥٤٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

صفوة التفاسيرص ٥٤٩