ولأغوينهم أجمعين
[الحجر: 39] فتحقق ما كان يظنه، قال مجاهد: ظن ظنا فكان كما ظن فصدق ظنه ﴿ فاتبعوه إلا فريقا من المؤمنين ﴾ أي فاتبعه الناس فيما دعاهم إليه من الضلالة إلا فريقا هم المؤمنون فإنهم لم يتبعوه قال القرطبي: أي ما سلم من المؤمنين إلا فريق، وعن ابن عباس أنهم المؤمنون كلهم فتكون ﴿ من ﴾ على هذا للتبيين لا للتبعيض، وإنما علم إبليس صدق ظنه وهو لا يعلم الغيب، لأنه لما نفذ له في آدم ما نفذ، غلب على ظنه أنه ينفذ له مثل ذلك في ذريته وقد وقع له تحقيق ما ظن ﴿ وما كان له عليهم من سلطان ﴾ أي وما كان لإبليس تسلط واستيلاء عليهم بالوسوسة والإغواء ﴿ إلا لنعلم من يؤمن بالآخرة ممن هو منها في شك ﴾ أي إلا لحكمة جليلة وهي أن نظهر علمنا للعباد بمن هو مؤمن مصدق بالآخرة، ومن هو شاك مرتاب في أمرها، فنجازي كلا بعمله قال القرطبي: أي لم يقهرهم إبليس على الكفر، وإنما كان منه الدعاء والتزيين وقال الحسن: والله ما ضربهم بعصا، ولا أكرههم على شيء، وما كان إلا غرورا وأماني دعاهم إليها فأجابوه ﴿ وربك على كل شيء حفيظ ﴾ أي وربك يا محمد على كل شيء رقيب، لا تخفى عليه خافية من أفعال العباد، فهو الذي يحفظ عليهم أعمالهم، ويعلم نياتهم وأحوالهم، قال الصاوي: الشيطان سبب الإغواء لا خالق الإغواء، فمن أراد الله حفظه منع الشيطان عنه، ومن أراد إغواءه سلط عليه الشيطان، والكل فعل الله تعالى، وإنما سبقت حكمته بتسليط الشيطان على الإنسان ابتلاء وامتحانا ليميز الله الخبيث من الطيب، والمراد بقوله ﴿ لنعلم ﴾ أي لنظهر للخلق علمنا، وإلا فالله تعالى عالم بما كان وما يكون ﴿ قل ادعوا الذين زعمتم من دون الله ﴾ أي قل يا محمد لهؤلاء المشركين ادعوا شركاءكم الذين عبدتموهم من الأصنام، وزعمتم أنهم آلهة من دون الله، أدعوهم ليجلبوا لكم الخير، ويدفعوا عنكم الضر قال أبو حيان: والأمر بدعاء الآلهة للتعجيز وإقامة الحجة عليهم ﴿ لا يملكون مثقال ذرة ﴾ أي لا يملكون وزن ذرة من خير أو نفع أو ضر ﴿ في السموت ولا في الأرض ﴾ أي في العالم العلوي أو السفلي، وليسوا بقادرين على أمر من الأمور في الكون بأجمعه ﴿ وما لهم فيهما من شرك ﴾ أي وليس لتلك الآلهة شركة مع الله لا خلقا ولا ملكا ولا تصرفا ﴿ وما له منهم من ظهير ﴾ أي وليس له تعالى من الآلهة معين يعينه في تدبير أمرهما، بل هو وحده الخالق لكل شيء، المنفرد بالإيجاد والإعدام، ثم لما نفى عنها الخلق والملك، نفى عنها الشفاعة أيضا فقال ﴿ ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له ﴾ أي لا تكون الشفاعة لأحد عند الله من ملك أو نبي، حتى يؤذن له في الشفاعة، فكيف يزعمون أن آلهتهم يشفعون لهم؟ قال ابن كثير: أي أنه تعالى لعظمته وجلاله وكبريائه لا يجترىء أحد أن يشفع عنده في شيء إلا بعد إذنه له في الشفاعة كقوله:
من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه
[البقرة: 255] وقوله:
ولا يشفعون إلا لمن ارتضى
[الأنبياء: 28] وإنما كانت الشفاعة لسيد ولد آدم إظهارا لمقامه الشريف، فهو أكبر شفيع عند الله، وذلك حين يقوم المقام المحمود ليشفع في الخلق كلهم ﴿ حتى إذا فزع عن قلوبهم ﴾ أي حتى إذا زال الفزع والخوف عن قلوب الشفعاء، من الملائكة والأنبياء ﴿ قالوا ماذا قال ربكم قالوا الحق ﴾ أي قال بعضهم لبعض: ماذا قال ربكم في أمر الشفاعة؟ فأجابوهم بقولهم: قد أذن فيها للمؤمنين قال القرطبي: إن الله تعالى يأذن للأنبياء والملائكة في الشفاعة، وهم على غاية الفزع من الله، لما يقترن بتلك الحال من الأمر الهائل، والخوف الشديد أن يقع منهم تقصير، فإذا سري عنهم قالوا للملائكة فوقهم: ماذا قال ربكم؟ أي بماذا أمر الله؟ قالوا: الحق أي إنه أذن لكم في الشفاعة للمؤمنين ﴿ وهو العلي الكبير ﴾ أي هو تعالى المتفرد بالعلو والكبرياء، العظيم في سلطانه وجلاله قال أبو السعود: وهذا من تمام كلام الشفعاء، قالوه اعترافا بغاية عظمة جناب الله عز وجل، فليس لأحد أن يتكلم إلا بإذنه، ثم وبخ تعالى المشركين في عبادتهم غير الخالق الرازق فقال ﴿ قل من يرزقكم من السموت والأرض ﴾ أي قل لهم يا محمد من الذي يرزقكم من السماوات بإنزال المطر، ومن الأرض بإخراج النبات والثمرات؟ ﴿ قل الله ﴾ أي قل لهم: الله الرازق لا آلهتكم، قال ابن الجوزي: وإنما أمر عليه السلام أن يسأل الكفار عن هذا احتجاجا عليهم بأن الذي يرزق هو المستحق للعبادة، وهم لا يثبتون رازقا سواه، ولهذا جاء الجواب ﴿ قل الله ﴾ لأنهم لا يجيبون بغير هذا ﴿ وإنآ أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين ﴾ أي وأحد الفريقين منا أو منكم لعلى هدى أو ضلال بين، وهذا نهاية الإنصاف مع الخصم، قال أبو حيان: أخرج الكلام مخرج الشك، ومعلوم أن من عبد الله وحده كان مهتديا، ومن عبد غيره من جماد كان ضالا، وفي هذا إنصاف وتلطف في الدعوى، وفيه تعريض بضلالهم وهو أبلغ من الرد بالتصريح، ونحوه قول العرب: أخزى الله الكاذب مني ومنك، مع تيقن أن صاحبه هو الكاذب ﴿ قل لا تسألون عمآ أجرمنا ولا نسأل عما تعملون ﴾ أي لا تؤاخذون على ما ارتكبنا من إجرام، ولا نؤاخذ نحن بما اقترفتم، وإنما يعاقب كل إنسان بجريرته، وهذه ملاطفة وتنزل في المجادلة إلى غاية الإنصاف، قال الزمخشري: وهذا أدخل في الإنصاف وأبلغ من الأول، حيث أسند الإجرام لأنفسهم والعمل إلى المخاطبين ﴿ قل يجمع بيننا ربنا ثم يفتح بيننا بالحق ﴾ أي يجمع الله بيننا وبينكم يوم القيامة ثم يحكم بيننا ويفصل بالحق ﴿ وهو الفتاح العليم ﴾ أي وهو الحاكم العادل الذي لا يظلم أحدا، العالم بأحوال الخلق، فيدخل المحق الجنة، والمبطل النار ﴿ قل أروني الذين ألحقتم به شركآء ﴾ توبيخ آخر على إشراكهم وإظهار لخطئهم العظيم أي أروني هذه الأصنام التي ألحقتموها بالله وجعلتموها شركاء معه في الألوهية، لأنظر بأي صفة استحقت العبادة مع الذين ليس كمثله شيء؟ قال أبو السعود: وفيه مزيد تبكيت لهم بعد إلزام الحجة عليهم ﴿ كلا بل هو الله العزيز الحكيم ﴾ ردع لهجر وزجر أي ليس الأمر كما زعمتم من اعتقاد شريك له، بل هو الإله الواحد الأحد، الغالب على أمره، الحكيم في تدبيره لخلقه، فلا يكون له شريك في ملكه أبدا ﴿ ومآ أرسلناك إلا كآفة للناس بشيرا ونذيرا ﴾ أي وما أرسلناك يا محمد للعرب خاصة وإنما أرسلناك لعموم الخلق، مبشرا للمؤمنين بجنات النعيم، ومنذرا للكافرين من عذاب الجحيم ﴿ ولكن أكثر الناس لا يعلمون ﴾ أي ولكن هؤلاء الكافرين لا يعلمون ذلك فيحملهم جهلهم على ما هم عليه من الغي والضلال ﴿ ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين ﴾ أي ويقول المشركون على سبيل الاستهزاء والسخرية: متى هذا العذاب الذي تخوفوننا به إن كنتم صادقين فيما تقولون؟ والخطاب للنبي والمؤمنين ﴿ قل لكم ميعاد يوم لا تستأخرون عنه ساعة ولا تستقدمون ﴾ أي لكم زمان معين للعذاب يجيء في أجله الذي قدره الله له، لا يستأخر لرغبة أحد، ولا يتقدم لرجاء أحد، فلا تستعجلوا عذاب الله فهو آت لا محالة، ثم أخبر تعالى عن تمادي المشركين في العناد والتكذيب فقال ﴿ وقال الذين كفروا لن نؤمن بهذا القرآن ولا بالذي بين يديه ﴾ أي لن نصدق بالقرآن ولا بما سبقه من الكتب السماوية الدالة على البعث والنشور ﴿ ولو ترى إذ الظالمون موقوفون عند ربهم ﴾ أي ولو شاهدت يا محمد حال الظالمين المنكرين للبعث والنشور في موقف الحساب ﴿ يرجع بعضهم إلى بعض القول ﴾ أي يلوم بعضهم بعضا ويؤنب بعضهم بعضا، وجواب ﴿ لو ﴾ محذوف للتهويل تقديره لرأيت أمرا فظيعا مهولا ﴿ يقول الذين استضعفوا للذين استكبروا لولا أنتم لكنا مؤمنين ﴾ أي يقول الأتباع للرؤساء: لولا إضلالكم لنا لكنا مؤمنين مهتدين ﴿ قال الذين استكبروا للذين استضعفوا أنحن صددناكم عن الهدى بعد إذ جآءكم ﴾؟ أي قال الرؤساء جوابا للمستضعفين: أنحن منعناكم عن الإيمان بعد أن جاءكم؟ لا، ليس الأمر كما تقولون ﴿ بل كنتم مجرمين ﴾ أي بل أنتم كفرتم من ذات أنفسكم، بسبب أنكم مجرمين راسخين في الإجرام ﴿ وقال الذين استضعفوا للذين استكبروا بل مكر اليل والنهار ﴾ أي وقال الأتباع للرؤساء: بل مكركم بنا في الليل والنهار هو الذي صدنا عن الإيمان ﴿ إذ تأمروننآ أن نكفر بالله ونجعل له أندادا ﴾ أي وقت دعوتكم لنا إلى الكفر بالله، وأن نجعل له شركاء، ولولا تزيينكم لنا الباطل ما كفرنا ﴿ وأسروا الندامة لما رأوا العذاب ﴾ أي أخفى كل من الفريقين الندامة على ترك الإيمان حين رأوا العذاب، أخفوها مخافة التعيير ﴿ وجعلنا الأغلال في أعناق الذين كفروا ﴾ أي وجعلنا السلاسل في رقاب الكفار زيادة على تعذيبهم بالنار ﴿ هل يجزون إلا ما كانوا يعملون ﴾ أي لا يجزون إلا بأعمالهم التي عملوها ولا يعاقبون إلا بكفرهم وإجرامهم.