وعلمناه صنعة لبوس لكم لتحصنكم من بأسكم
[الأنبياء: 80]، ثم ذكر تعالى ما أنعم به على ولده " سليمان " من النبوة والملك والجاه العظيم قال: ﴿ ولسليمان الريح غدوها شهر ورواحها شهر ﴾ أي وسخرنا لسليمان الريح تسير بأمره، وسيرها من الصباح إلى الظهر مسيرة شهر للسائر المجد، ومن الظهر إلى الغروب مسيرة شهر، قال المفسرون: سخر الله له الريح تقطع به المسافات الشاسعة في ساعات معدودات، تحمله مع جنده فتنتقل به من بلد إلى بلد، تغدو به مسيرة شهر إلى نصف النهار، وترجع به مسيرة شهر إلى آخر النهار، فتقطع به مسيرة شهرين في نهار واحد ﴿ وأسلنا له عين القطر ﴾ أي وأذبنا له النحاس حتى كان يجري كأنه عين ماء متدفقة من الأرض، قال المفسرون: أجرى الله لسليمان النحاس، كما ألان لداود الحديد، آية باهرة، ومعجزة ظاهرة ﴿ ومن الجن من يعمل بين يديه بإذن ربه ﴾ أي وسخرنا له الجن تعمل بأمره وإرادته ما شاء مما يعجز عنه البشر، وكل ذلك بأمر الله وتسخيره ﴿ ومن يزغ منهم عن أمرنا ﴾ أي ومن يعدل منهم عما أمرناه به من طاعة سليمان ﴿ نذقه من عذاب السعير ﴾ أي نذقه النار المستعرة في الآخرة، ثم أخبر تعالى عما كلف به الجن من الأعمال فقال ﴿ يعملون له ما يشآء من محاريب ﴾ أي يعمل هؤلاء الجن لسليمان ما يريد من القصور الشامخة ﴿ وتماثيل ﴾ أي والتماثيل العجيبة من النحاس والزجاج، قال الحسن: ولم تكن يومئذ محرمة، وقد حرمت في شريعتنا سدا للذريعة لئلا تعبد من دون الله ﴿ وجفان كالجواب ﴾ أي وقصاع ضخمة تشبه الأحواض، قال ابن عباس: " كالجواب " أي كالحياض ﴿ وقدور راسيات ﴾ أي وقدور كبيرة ثابتات لا تتحرك لكبرها وضخامتها، قال ابن كثير: والقدور الراسيات أي الثابتات في أماكنها لا تتحرك ولا تتحول عن أماكنها لعظمها ﴿ اعملوا آل داوود شكرا ﴾ أي وقلنا لهم اشكروا يا آل داود ربكم على هذه النعم الجليلة، فقد خصكم بالفضل العظيم والجاه العريض، واعملوا بطاعة الله شكرا له جل وعلا ﴿ وقليل من عبادي الشكور ﴾ أي وقليل من العباد من يشكر الله على نعمه، قال ابن عطية: وفيه تنبيه وتحريض على شكر الله، ثم أخبر تعالى عن كيفية موت سليمان فقال ﴿ فلما قضينا عليه الموت ﴾ أي حكمنا على سليمان بالموت ونزل به الموت ﴿ ما دلهم على موته إلا دابة الأرض تأكل منسأته ﴾ أي ما دل الجن على موته إلا تلك الحشرة وهي الأرضة السوسة التي تأكل الخشب تأكل عصا سليمان ﴿ فلما خر تبينت الجن أن لو كانوا يعلمون الغيب ﴾ أي فلما سقط سليمان عن عصاه ظهر للجن واتضح لهم أنهم لو كانوا يعرفون الغيب كما زعموا ﴿ ما لبثوا في العذاب المهين ﴾ أي ما مكثوا في الأعمال الشاقة تلك المدة الطويلة، قال المفسرون: كانت الإنس تقول: إن الجن يعلمون الغيب الذي يكون في المستقبل، فوقف سليمان في محرابه يصلى متوكئا على عصاه، فمات ومكث على ذلك سنة والجن تعمل تلك الأعمال الشاقة ولا تعلم بموته، حتى أكلت الأرضة عصا سليمان فسقط على الأرض فعلموا موته، وعلم الإنس أن الجن لا تعلم الغيب لأنهم لو علموه لما أقاموا هذه المدة الطويلة في الأعمال الشاقة وهم يظنون أنه حي وهو عليه السلام ميت.
البلاغة: تضمنت الآيات الكريمة وجوها من البيان نوجزها فيما يلي:
1- تعريف الطرفين لإفادة الحصر ﴿ الحمد لله ﴾ ومعناه لا يستحق الحمد الكامل إلا الله.
2- الطباق بين ﴿ يلج..و.. يخرج ﴾ وبين ﴿ ينزل..و.. يعرج ﴾ وبين ﴿ أصغر..و.. أكبر ﴾.
3- صيغة فعيل وفعول للمبالغة ﴿ وهو الحكيم الخبير ﴾ ﴿ وهو الرحيم الغفور ﴾ ﴿ وقليل من عبادي الشكور ﴾.
4- المقابلة بين ﴿ ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات.. ﴾ الآية وبين ﴿ والذين سعوا في آياتنا معاجزين ﴾ فقد جعل المغفرة والرزق الكريم جزاء المحسنين، وجعل العذاب والرجز الأليم جزاء المجرمين.