لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم
[الزخرف: 31] ﴿ ما كان لهم الخيرة ﴾ أي ما كان لأحد من العباد اختيار، إنما الاختيار والإرادة لله وحده ﴿ سبحان الله وتعالى عما يشركون ﴾ أي تنزه الله العظيم الجليل وتقدس أن ينازعه أحد في ملكه، أو يشاركه في اختياره وحكمته قال القرطبي: المعنى وربك يخلق ما يشاء من خلقه، ويختار من يشاء لنبوته، والخيرة له تعالى في أفعاله، وهو أعلم بوجوه الحكمة، فليس لأحد من خلقه أن يختار عليه ﴿ وربك يعلم ما تكن صدورهم وما يعلنون ﴾ أي هو تعالى العالم بما تخفيه قلوبهم من الكفر والعداوة للرسول والمؤمنين، وما يظهرونه على ألسنتهم من الطعن في شخص رسوله الكريم حيث يقولون: ما أنزل الله الوحي إلا على يتيم أبي طالب! ﴿ وهو الله لا إله إلا هو ﴾ أي هو جل وعلا الله المستحق للعبادة، لا أحد يستحقها إلا هو ﴿ له الحمد في الأولى والآخرة ﴾ أي له الثناء الكامل في الدنيا والآخرة، لأنه تعالى المتفضل على العباد بالنعم كلها في الدارين ﴿ وله الحكم ﴾ أي وله القضاء النافذ والفصل بين العباد ﴿ وإليه ترجعون ﴾ أي إليه وحده مرجع الخلائق يوم القيامة، فيجازي كل عامل بعمله.
البلاغة: تضمنت الآيات الكريمة وجوها من البيان والبديع نوجزها فيما يلي:
1- التشبيه البليغ ﴿ بصآئر للناس ﴾ أي أعطيناه التوراة كأنها أنوار لقلوب الناس، حذف أداة الشبه ووجه الشبه فأصبح بليغا قال في حاشية البيضاوي: أي مشبها بأنوار القلوب من حيث إن القلوب لو كانت خالية عن أنوار التوراة وعلومها لكانت عمياء لا تستبصر، ولا تعرف حقا من باطل.
2- المجاز العقلي ﴿ أنشأنا قرونا ﴾ المراد به الأمم لأنهم يخلقون في تلك الأزمنة فنسب إلى القرون بطريق المجاز العقلي.
3- جناس الاشتقاق ﴿ تصيبهم مصيبة ﴾.
4- المجاز المرسل ﴿ بما قدمت أيديهم ﴾ والمراد بما كسبوا وهو من باب إطلاق الجزء وإرادة الكل قال الزمخشري: ولما كانت أكثر الأعمال تزاول بالأيدي جعل كل عمل معبرا عنه باجتراح الأيدي.
5- حذف الجواب لدلالة السياق ﴿ ولولا أن تصيبهم مصيبة ﴾ حذف منه الجواب وتقديره: ما أرسلناك يا محمد رسولا إليهم وهو من باب الإيجاز بالحذف.
6- التحضيض ﴿ لولا أوتي مثل مآ أوتي موسى ﴾ أي هلا أوتي فهي للتحضيض وليست حرف امتناع لوجود.
7- التعجيز ﴿ قل فأتوا بكتاب ﴾ فالأمر خرج عن حقيقته إلى معنى التعجيز.
8- طباق السلب ﴿ إنك لا تهدي.. ولكن الله يهدي ﴾.
9- المجاز العقلي ﴿ حرما آمنا ﴾ نسب الأمن إلى الحرم وهو لأهله.
10- أسلوب السخرية والتهكم ﴿ أين شركآئي الذين كنتم تزعمون ﴾؟.
11- التشبيه المرسل ﴿ أغويناهم كما غوينا ﴾.
12- الاستعارة التصريحية التبعية ﴿ فعميت عليهم الأنبآء ﴾ قال الشهاب: استعير العمى لعدم الاهتداء، فهم لا يهتدون للأنباء، ثم قلب للمبالغة فجعل الأنباء لا تهتدي إليهم وأصله " فعموا عن الأنباء " وضمن معنى الخفاء فعدي ب ﴿ على ﴾ ففيه أنواع من البلاغة: الاستعارة، والقلب، والتضمين.
13- الطباق بين ﴿ تكن.. ويعلنون ﴾ وبين ﴿ الأولى.. والآخرة ﴾ وهو من المحسنات البديعية.
تنبيه: ما ذكر أن " أبا طالب " مات على غير الإيمان هو الصحيح الذي دل عليه الكتاب والسنة، ونقل عن بعض شيوخ الصوفية أنه أسلم قبل موته، وهو معارض للنصوص الكريمة ولعلهم أخذوه من بعض أشعار أبي طالب حيث يقول:
ولقد علمت بأن دين محمد
من خير أديان البرية دينا
والله لن يصلوا إليك بجمعهم
حتى أوسد في التراب دفينا
أقول: ماذا يعني هذا الكلام بعد امتناعه عن الدخول في الإسلام والنطق بالشهادة؟