تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

[الشورى: 52] لأن معنى هذا: وإنك لترشد، وقد أجمع المسلمون على أنها نزلت في " أبي طالب " ثم ذكر تعالى شبهة من شبهات المشركين ورد عليها بالبيان الواضح فقال ﴿ وقالوا إن نتبع الهدى معك نتخطف من أرضنآ ﴾ أي وقال كفار قريش: إن اتبعناك يا محمد على دينك وتركنا ديننا نخاف أن تتخطفنا العرب فيجتمعون على محاربتنا، ويخرجوننا من أرضنا، قال المبرد: والتخطف الانتزاع بسرعة، قال تعالى ردا عليهم ﴿ أولم نمكن لهم حرما آمنا ﴾ أي أولم نعصم دماءهم ونجعل مكانهم حرما ذا أمن، بحرمة البيت العتيق؟ فكيف يكون الحرم آمنا لهم في حال كفرهم، ولا يكون آمنا لهم في حال إسلامهم؟ ﴿ يجبى إليه ثمرات كل شيء رزقا من لدنا ﴾ أي تجلب إليه الأرزاق من كل مكان مع أنه بواد غير ذي زرع رزقا لهم من عندنا ﴿ ولكن أكثرهم لا يعلمون ﴾ أي ولكن أكثرهم جهلة لا يتفكرون في ذلك ولا يتفطنون قال أبو حيان: قطع الله حجتهم بهذا البيان الناصع إذ كانوا وهم كفار بالله، عباد أصنام قد أمنوا في حرمهم، والناس في غيره يتقاتلون وهم مقيمون في بلد غير ذي زرع، يجيء إليهم ما يحتاجون من الأقوات، فكيف إذا آمنوا واهتدوا؟ ﴿ وكم أهلكنا من قرية بطرت معيشتها ﴾ أي وكثيرمن أهل قرية طغت وأشرت وكفرت نعمة الله فدمر الله عليهم وخرب ديارهم ﴿ فتلك مساكنهم لم تسكن من بعدهم إلا قليلا ﴾ أي فتلك مساكنهم خاوية بما ظلموا لم تسكن من بعد تدميرهم إلا زمانا قليلا إذ لا يسكنها إلا المارة والمسافرون يوما أو بعض يوم ﴿ وكنا نحن الوارثين ﴾ أي وكنا نحن الوارثين لأملاكهم وديارهم قال في البحر: والآية تخويف لأهل مكة من سوء عاقبة قوم كانوا في مثل حالهم، من إنعام الله عليهم بالرقود في ظلال الأمن، وخفض العيش، فكفروا النعمة وقابلوها بالاشر والبطر فدمرهم الله وخرب ديارهم ﴿ وما كان ربك مهلك القرى ﴾ أي ما جرت عادة الله جل شأنه أن يهلك أهل القرى الكافرة ﴿ حتى يبعث في أمها رسولا يتلو عليهم آياتنا ﴾ أي حتى يبعث في أصلها وعاصمتها رسولا يبلغهم رسالة الله لقطع الحجج والمعاذير ﴿ وما كنا مهلكي القرى إلا وأهلها ظالمون ﴾ أي وما كنا لنهلك القرى إلا وقد استحق أهلها الإهلاك، لإصرارهم على الكفر بعد الإعذار إليهم ببعثة المرسلين قال القرطبي: أخبر تعالى أنه لا يهلكهم إلا إذا استحقوا الإهلاك بظلمهم، وفي هذا بيان لعدله وتقدسه عن الظلم، ولا يهلكهم - مع كونهم ظالمين - إلا بعد تأكيد الحجة والإلزام ببعثة الرسل، ولا يجعل علمه تعالى بأحوالهم حجة عليهم ﴿ ومآ أوتيتم من شيء فمتاع الحياة الدنيا وزينتها ﴾ أي وما أعطيتم أيها الناس من مال وخير فهو متاع قليل تتمتعون به في حياتكم ثم ينقضي ويفنى قال ابن كثير: يخبر تعالى عن حقارة الدنيا وما فيها من الزينة الدنيئة، والزهرة الفانية، بالنسبة إلى ما أعده الله لعباده الصالحين في الدار الآخرة، من النعيم العظيم المقيم ﴿ وما عند الله خير وأبقى ﴾ أي وما عنده من الأجر والثواب، والنعيم الدائم الباقي خير وأفضل من هذا النعيم الزائل ﴿ أفلا تعقلون ﴾؟ توبيخ لهم أي أفلا تعقلون أن الباقي أفضل من الفاني؟ قال الإمام الفخر: بين تعالى أن منافع الدنيا مشوبة بالمضار، بل المضار فيها أكثر، ومنافع الآخرة غير منقطعة، بينما منافع الدنيا منقطعة، ومتى قوبل المتناهي بغير المتناهي كان عدما، فكيف ونصيب كل أحد من الدنيا كالذرة بالقياس إلى البحر، فمن لم يرجح منافع الآخرة على منافع الدنيا يكون كأنه خارج عن حد العقل ﴿ أفمن وعدناه وعدا حسنا فهو لاقيه ﴾ أي أفمن وعدناه وعدا قاطعا بالجنة وما فيها من النعيم المقيم الخالد، فهو لا محالة مدركه لأن وعد الله لا يتخلف ﴿ كمن متعناه متاع الحياة الدنيا ﴾؟ أي كمن متعناه بمتاع زائل، مشوب بالأكدار، مملوء بالمتاعب، مستتبع للحسرة على انقطاعه؟ ﴿ ثم هو يوم القيامة من المحضرين ﴾ أي ثم هو في الآخرة من المحضرين للعذاب، فهل يساوي العاقل بينهما؟ قال ابن جزي: والآية ايضاح لما قبلها من البون الشاسع بين الدنيا والآخرة، والمراد بمن وعدناه المؤمنين، وبمن متعناه الكافرين ﴿ ويوم يناديهم فيقول أين شركآئي الذين كنتم تزعمون ﴾ أي واذكر حال المشركين يوم يناديهم الله فيقول لهم على سبيل التوبيخ والتقريع: أين هؤلاء الشركاء والآلهة من الأصنام والأنداد الذين عبدتموهم من دوني، وزعمتم أنهم ينصرونكم ويشفعون لكم؟ ﴿ قال الذين حق عليهم القول ﴾ أي قال رؤساءهم وكبراؤهم الذين وجب عليهم العذاب لضلالهم وطغيانهم ﴿ ربنا هؤلاء الذين أغوينآ ﴾ أي هؤلاء أتباعنا الذين أضللناهم عن سبيلك ﴿ أغويناهم كما غوينا ﴾ أي أضللناهم كما ضللنا، لا بالقسر والإكراه ولكن بطريق الوسوسة وتزيين القبيح فضلوا كما ضللنا نحن ﴿ تبرأنآ إليك ما كانوا إيانا يعبدون ﴾ أي تبرأنا إليك يا ألله من عبادتهم إيانا، فما كانوا يعبدوننا وإنما كانوا يعبدون أهواءهم وشهواتهم ﴿ وقيل ادعوا شركآءكم ﴾ أي وقيل للكفار استغيثوا بآلهتكم التي عبدتموها في الدنيا لتنصركم وتدفع عنكم عذاب الله، وهذا على سبيل التهكم بهم ﴿ فدعوهم فلم يستجيبوا لهم ﴾ أي فاستغاثوا بهم فلم يجيبوهم ولم ينتفعوا بهم، وهذا من سخافة عقولهم ﴿ ورأوا العذاب لو أنهم كانوا يهتدون ﴾ أي وتمنوا حين شاهدوا العذاب لو كانوا مهتدين قال الطبري: أي فودوا حين رأوا العذاب لو أنهم كانوا في الدنيا مهتدين للحق ﴿ ويوم يناديهم فيقول ماذآ أجبتم المرسلين ﴾ توبيخ آخر للمشركين أي ويوم يناديهم الله ويسألهم: ماذا أجبتم رسلي؟ هل صدقتموهم أم كذبتموهم؟ ﴿ فعميت عليهم الأنبآء يومئذ فهم لا يتسآءلون ﴾ أي فخفيت عليهم الحجج، وأظلمت عليهم الأمور، فلم يعرفوا ما يقولون، فهم حيارى واجمون، لا يسأل بعضهم بعضا عن الجواب لفرط الدهشة والحيرة ﴿ فأما من تاب وآمن وعمل صالحا فعسى أن يكون من المفلحين ﴾ أي فأما من تاب من الشرك، وجمع بين الإيمان والعمل الصالح فعسى أن يكون من الفائزين بجنات النعيم قال الصاوي: والترجي في القرآن بمنزلة التحقق، لأنه وعد كريم من رب رحيم، ومن شأنه تعالى أنه لا يخلف وعده ﴿ وربك يخلق ما يشآء ويختار ﴾ أي هو تعالى الخالق المتصرف، يخلق ما يشاء ويفعل ما يريد، فلا اعتراض لأحد على حكمه قال مقاتل: نزلت في " الوليد بن المغيرة " حين قال

صفوة التفاسير · الصفحة ٤٩٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

صفوة التفاسيرص ٤٩٣