تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وللمنايا تربي كل مرضعة

ودورنا لخراب الدهر نبنيها

﴿ إن فرعون وهامان وجنودهما كانوا خاطئين ﴾ أي كانوا عاصين مشركين آثمين، قال العلماء: الخاطئ من تعمد الذنب والإثم، والمخطئ من فعل الذنب عن غير تعمد ﴿ وقالت امرأة فرعون قرت عين لي ولك ﴾ أي قالت زوجة فرعون لفرعون: هذا الغلام فرحة ومسرة لي ولك لعلنا نسر به فيكون قرة عين لنا قال الطبري: ذكر أن المرأة لما قالت هذا القول لفرعون قال لها: أما لك فنعم، وأما لي فليس بقرة عين، وقال ابن عباس: لو قال قرة عين لي لهداه الله به ولآمن ولكنه أبى ﴿ لا تقتلوه ﴾ أي لا تقتله يا فرعون، خاطبته بلفظ الجمع كما يخاطب الجبارون تعظيما له ليساعدها فيما تريد ﴿ عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولدا ﴾ عسى أن ينفعنا في الكبر، أو نتبناه فنجعله لنا ولدا تقر به عيوننا قال المفسرون: وكانت لا تلد فاستوهبت موسى من فرعون فوهبه لها قال تعالى ﴿ وهم لا يشعرون ﴾ أي وهم لا يشعرون أن هلاك فرعون وزبانيته سيكون على يديه وبسببه ﴿ وأصبح فؤاد أم موسى فارغا ﴾ أي صار قلبها خاليا من ذكر كل شيء في الدنيا إلا من ذكر موسى، وقيل المعنى: طار عقلها من فرط الجزع والغم حين سمعت بوقوعه في يد فرعون ﴿ إن كادت لتبدي به ﴾ أي إنها كادت أن تكشف أمره وتظهر أنه ابنها من شدة الوجد والحزن قال ابن عباس: كادت تصيح واإبناه، وذلك حين سمعت بوقوعه في يد فرعون ﴿ لولا أن ربطنا على قلبها ﴾ أي لولا أن ثبتناها وألهمناها الصبر ﴿ لتكون من المؤمنين ﴾ أي لتكون من المصدقين بوعد الله برده عليها ﴿ وقالت لأخته قصيه ﴾ أي قالت أم موسى لأخت موسى: إتبعي أثره حتى تعلمي خبره قال مجاهد: قصي أثره وانظري ماذا يفعلون به؟ ﴿ فبصرت به عن جنب وهم لا يشعرون ﴾ أي فأبصرته عن بعد وهم لا يشعرون أنها أخته، لأنها كانت تمشي على ساحل البحر حتى وصل الصندوق إلى بيت فرعون وهي ترقبه مستخفية عنهم ﴿ وحرمنا عليه المراضع من قبل ﴾ أي ومنعنا موسى أن يقبل ثدي أي مرضعة من المرضعات اللاتي أحضروهن لإرضاعه من قبل مجيء أمه قال المفسرون: بقي أياما كلما أتي بمرضع لم يقبل ثديها، فأهمهم ذلك واشتد عليهم الأمر فخرجوا به يبحثون له عن مرضعة خارج القصر فرأوا أخته ﴿ فقالت هل أدلكم على أهل بيت يكفلونه لكم ﴾ أي هل أدلكم على مرضعة له تكفله وترعاه؟ ﴿ وهم له ناصحون ﴾ أي لا يقصرون في إرضاعه وتربيته قال السدي: فدلتهم على أم موسى فانطلقت إليها بأمرهم فجاءت بها، والصبي على يد فرعون يعلله شفقة عليه وهو يبكي يطلب الرضاع، فدفعه إليها فلما وجد ريح أمه قبل ثديها، فقال فرعون: من أنت منه فقد أبى كل ثدي إلا ثديك؟ فقالت: إني امرأة طيبة الريح، طيبة اللبن، لا أكاد أوتى بصبي إلا قبلني فدفعه إليها، فرجعت إلى بيتها من يومها ولم يبق أحد من آل فرعون إلا أهدى إليها وأتحفها بالهدايا والجواهر فذلك قوله تعالى ﴿ فرددناه إلى أمه كي تقر عينها ولا تحزن ﴾ أي أعدناه إليها تحقيقا للوعد كي تسعد وتهنأ بلقائه ولا تحزن على فراقه ﴿ ولتعلم أن وعد الله حق ﴾ أي ولتتحقق من صدق وعد الله برده عليها وحفظه من شر فرعون ﴿ ولكن أكثرهم لا يعلمون ﴾ أي ولكن أكثر الناس يرتابون ويشكون في وعد الله القاطع ﴿ ولما بلغ أشده واستوى ﴾ أي ولما بلغ كمال الرشد، ونهاية القوة، وتمام العقل والاعتدال قال مجاهد: هو سن الأربعين ﴿ آتيناه حكما وعلما ﴾ أي أعطيناه الفهم والعلم والتفقه في الدين مع النبوة ﴿ وكذلك نجزي المحسنين ﴾ أي ومثل هذا الجزاء الكريم نجازي المحسنين على إحسانهم ﴿ ودخل المدينة على حين غفلة من أهلها ﴾ أي دخل مصر وقت الظهيرة والناس يخلدون للراحة عند القيلولة ﴿ فوجد فيها رجلين يقتتلان هذا من شيعته وهذا من عدوه ﴾ أي فوجد شخصين يتقاتلان: أحدهما من بني إسرائيل من جماعة موسى، والآخر قبطي من جماعة فرعون ﴿ فاستغاثه الذي من شيعته على الذي من عدوه ﴾ أي فاستنجد الإسرائيلي بموسى وطلب غوثه ليدفع عنه شر القبطي ﴿ فوكزه موسى فقضى عليه ﴾ أي ضربه موسى بجمع كفه فقتله، قال القرطبي: فعل موسى ذلك وهو لا يريد قتله إنما قصد دفعه فكانت فيه نفسه وكانت القاضية ﴿ قال هذا من عمل الشيطان ﴾ أي هذا من إغواء الشيطان فهو الذي هيج غضبي حتى ضربت هذا ﴿ إنه عدو مضل مبين ﴾ أي إن الشيطان عدو لابن آدم، مضل له عن سبيل الرشاد، ظاهر العداوة وقال الصاوي: نسبه إلى الشيطان من حيث إنه لم يؤمر بقتل القبطي، وظهر له أن قتله خلاف الأولى لما يترتب عليه من الفتن، والشيطان تفرحه الفتن ولذلك ندم على فعله ﴿ قال رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي ﴾ أي إني ظلمت نفسي بقتل النفس فاعف عني ولا تؤاخذني بخطيئتي ﴿ فغفر له إنه هو الغفور الرحيم ﴾ أي إنه تعالى المبالغ في المغفرة للعباد، الواسع الرحمة لهم ﴿ قال رب بمآ أنعمت علي فلن أكون ظهيرا للمجرمين ﴾ أي بسبب إنعامك علي بالقوة وبحق ما أكرمتني به من الجاه والعز، فلن أكون عونا لأحد من المجرمين، وهذه معاهدة عاهد موسى ربه عليها وقيل: هو قسم وهو ضعيف ﴿ فأصبح في المدينة خآئفا يترقب ﴾ أي فأصبح موسى في المدينة التي قتل فيها القبطي خائفا على نفسه يتوقع وينتظر المكروه، ويخاف أن يؤخذ بجريرته ﴿ فإذا الذي استنصره بالأمس يستصرخه ﴾ أي فإذا صاحبه الإسرائيلي الذي خلصه بالأمس يقاتل قبطيا آخر فلما رأى موسى أخذ يصيح به مستغيثا لينصره من عدوه ﴿ قال له موسى إنك لغوي مبين ﴾ أي قال موسى للإسرائيلي: إنك لبين الغواية والضلال، فإني وقعت بالأمس فيما وقعت فيه من قتل رجل بسببك وتريد أن توقعني اليوم في ورطة أخرى؟ ﴿ فلمآ أن أراد أن يبطش بالذي هو عدو لهما ﴾ أي فحين أراد موسى أن يبطش بذلك القبطي الذي هو عدو له وللإسرائيلي ﴿ قال يموسى أتريد أن تقتلني كما قتلت نفسا بالأمس ﴾ أي قال القبطي: أتريد قتلي كما قتلت غيري بالأمس؟ ﴿ إن تريد إلا أن تكون جبارا في الأرض ﴾ أي ما تريد يا موسى إلا أن تكون من الجبابرة المفسدين في الأرض ﴿ وما تريد أن تكون من المصلحين ﴾ أي وما تريد أن تكون من الذين يصلحون بين الناس.

صفوة التفاسير · الصفحة ٤٨٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

صفوة التفاسيرص ٤٨٦