تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

. شبه من لا يسمع ولا يعقل بالموتى في أنهم لا يسمعون وإن كانوا أحياء، ثم شبههم ثانيا بالصم وبالعمي وإن كانوا سليمي الحواس، وأكد عدم سماعهم بقوله ﴿ إذا ولوا مدبرين ﴾ لأن الأصم إذا أدبر زاد صممه أو عدم سماعه بالكلية، والغرض من الآية أن هؤلاء الكفار كالموتى، وكالصم، وكالعمي، لا يفهمون ولا يسمعون ولا يبصرون، ولا يلتفتون إلى شيء من الدلائل الكونية، أو الآيات القرآنية ﴿ وإذا وقع القول عليهم ﴾ هذا بيان لما يكون بين يدي الساعة أي وإذا قرب نزول العذاب وقيام الساعة، وحان وقت عذاب الكفار ﴿ أخرجنا لهم دآبة من الأرض تكلمهم أن الناس كانوا بآياتنا لا يوقنون ﴾ أي أخرجنا للكفار هذه الآية الكبيرة " دابة الأرض " تكلم الناس وتناظرهم وتقول من جملة كلامها: ألا لعنة الله على الظالمين، الذين لا يصدقون ولا يؤمنون بآيات الله، وخروج الدابة من أشراط الساعة وفي الحديث

" لا تقوم الساعة حتى تروا عشر آيات.. وعد منها طلوع الشمس من مغربها، وخروج الدابة.. "

الحديث قال ابن كثير: هذه الدابة تخرج في آخر الزمان، عند فساد الناس وتركهم أوامر الله، وتبديلهم الدين الحق، فتكلم الناس وتخاطبهم مخاطبة قال ابن عباس وعطاء: تكلمهم كلاما فتقول لهم: إن الناس كانوا بآياتنا لا يوقنون، وروي أن خروجها حين ينقطع الخير، ولا يؤمر بمعروف ولا ينهى عن منكر، ولا يبقى منيب ولا تائب، وهي آية خاصة خارقة للعادة، ثم ذكر تعالى بعض مشاهد القيامة فقال ﴿ ويوم نحشر من كل أمة فوجا ﴾ أي واذكر يوم نجمع للحساب والعقاب من كل أمة من الأمم جماعة وزمرة ﴿ ممن يكذب بآياتنا ﴾ أي من الجاحدين المكذبين بآياتنا ورسلنا ﴿ فهم يوزعون ﴾ أي فهم يجمعون ثم يساقون بعنف ﴿ حتى إذا جآءوا قال أكذبتم بآياتي ولم تحيطوا بها علما ﴾ أي حتى إذا حضروا موقف الحساب والسؤال قال لهم تعالى موبخا ومقرعا: أكذبتم بآياتي المنزلة على رسلي من غير فكر ولا نظر يؤدي إلى إحاطة العلم بكنهها، أو معرفة صدقها؟ ﴿ أما ذا كنتم تعملون ﴾ تقريع وتوبيخ آخر أي أي شيء كنتم تعملون في الدنيا؟ وبخهم أولا بقوله ﴿ أكذبتم بآياتي ﴾ ثم اضرب عنه إلى استفهام تقرير وتبكيت كأنه قيل: دعوا ما نسبته إليكم من التكذيب وقولوا لي: أي شيء كنتم تعملونه في الدنيا غير التكذيب؟ ﴿ ووقع القول عليهم بما ظلموا ﴾ أي بهتوا فلم يكن لهم جواب، وقامت عليهم الحجة وحق عليهم العذاب، بسبب ظلمهم وهو تكذيبهم بآيات الله ﴿ فهم لا ينطقون ﴾ أي فهم لا يتكلمون لأنه ليس لهم عذر ولا حجة، وقد شغلوا بالعذاب عن الجواب.. ثم لما ذكر تعالى أهوال القيامة ذكر الأدلة والبراهين على التوحيد والحشر والنشر مبالغة في الإرشاد إلى الإيمان فقال: ﴿ ألم يروا أنا جعلنا الليل ليسكنوا فيه والنهار مبصرا ﴾ أي ألم يروا قدرة الله فيعتبروا أنه تعالى جعل الليل مظلما ليناموا ويستريحوا من تعب الحياة، وجعل النهار منيرا مشرقا ليتصرفوا فيه في طلب المعاش والرزق؟ ﴿ إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون ﴾ أي إن في تقليب الليل والنهار من نور إلى ظلمة، ومن ظلمة إلى نور لآيات باهرة، ودلائل قاطعة على قدرة الله لقوم يصدقون فيعتبرون، ثم أشار تعالى إلى أحوال الناس في الآخرة فقال ﴿ ويوم ينفخ في الصور ففزع من في السموت ومن في الأرض إلا من شآء الله ﴾ أي واذكر يوم ينفخ إسرافيل في الصور " نفخة الفزع " فلا يبقى أحد من أهل السماوات والأرض إلا خاف وفزع إلا من شار الله من الملائكة والأنبياء والشهداء قال المفسرون: هذه نفخة الفزع، ثم تتلوها نفخة الصعق - وهو الموت - ثم بعد ذلك نفخة النشور من القبور وهي نفخة القيام لرب العالمين، قال أبو هريرة: إن الملك له في الصور ثلاث نفخات: نفخة الفزع - وهو فزع الحياة الدنيا - وليس بالفزع الأكبر، ونفخة الصعق، ونفخة القيام من القبور ﴿ وكل أتوه داخرين ﴾ أي وكل من الأموات الذين أحيوا أتوا ربهم صاغرين مطيعين لم يتخلف منهم أحد ﴿ وترى الجبال تحسبها جامدة ﴾ أي وترى أيها المخاطب الجبال وقت النفخة الأولى تظنها ثابتة في مكانها وواقفة ﴿ وهي تمر مر السحاب ﴾ أي وهي تسير سيرا سريعا كالسحاب قال الإمام الفخر: ووجه حسبانهم أنها جامدة أن الأجسام الكبار إذا تحركت حركة سريعة على نهج واحد ظن الناظر إليها أنها واقفة مع أنها تمر مرا سريعا ﴿ صنع الله الذي أتقن كل شيء ﴾ أي ذلك صنع الله البديع، الذي أحكم كل شيء خلقه، وأودع فيه من الحكمة ما أودع ﴿ إنه خبير بما تفعلون ﴾ أي هو عليم بما يفعل العباد من خير وشر، وسيجازيهم عليه أتم الجزاء.

صفوة التفاسير · الصفحة ٤٨٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

صفوة التفاسيرص ٤٨٣